مدارج السالكين

اللِّسان عن الشكوى. وهو من أصعب المنازل على العامَّة، وأوحشها في طريق المحبَّة، وأنكرها في طريق التوحيد).

إنَّما كان صعبًا على العامَّة لأنَّ العامِّي مبتدئٌ في الطريق، وما له دربة بالسلوك١، ولا تهذيب المرتاض بقطع المنازل، فإذا أصابته المحن أدركه الجزع، وصعب عليه احتمال البلاء، وعزَّ عليه وجدان الصبر، لأنَّه ليس من أهل الرِّياضة فيكون مستوطنًا للصَّبر، ولا من أهل المحبَّة فيلتذَّ بالبلاء في رضا محبوبه.

وأمَّا وحشته٢ في طريق المحبَّة، فلأنَّها تقتضي التذاذ المحبِّ بامتحان محبوبه له، والصبر يقتضي كراهته لذلك وحَبْسَ نفسه عليه كرهًا، فهو وحشةٌ في طريق المحبَّة.

وفي الوحشة نكتة لطيفة؛ لأنَّ الالتذاذ بالمحنة في المحبَّة هو من موجبات أنس القلب بالمحبوب، فإذا أحسَّ بالألم بحيث يحتاج إلى الصبر انتقل من الأنس إلى الوحشة، ولولا الوحشة لما أحسَّ بالألم المستدعي للصبر.

وإنَّما كان (أنكرها في طريق التوحيد) لأنَّ فيه قوَّة الدعوى، لأنَّ الصابر يدَّعي بحاله قوَّةَ الثبات، وذلك ادِّعاءٌ منه لنفسه قوَّةً عظيمةً، وهذا مصادمةٌ لتجريد التوحيد، إذ ليس لأحدٍ قوّةٌ البتَّة، بل لله القوَّة جميعًا، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.

  1. (١) ع: «في السلوك».
  2. (٢) ع: «كونه وحشةً».
462

فهذا سبب كون الصبر منكرًا في طريق التوحيد، بل من أنكر المنكر كما قال، لأنَّ التوحيد يردُّ الأشياء إلى الله، والصبر يردُّ الأشياء إلى النفس، وإثبات النفس في التوحيد منكر.

هذا حاصل كلامه محرَّرًا مقرَّرًا١. وهو من منكر كلامه.

بل الصبر من آكد المنازل في طريق المحبَّة، وألزمها للمحبِّين، وهم أحوج إلى منزلته من كلِّ منزلةٍ. وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها، وحاجة المحبِّ إليه ضروريَّةٌ.

فإن قيل: كيف تكون حاجة المحبِّ إليه ضروريةً، مع منافاته لكمال المحبَّة، فإنَّه لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب؟

قيل: هذه هي النُّكتة التي كان لأجلها من آكد المنازل في طريق المحبَّة وأعلقها بها. وبه يُعلم صحيح المحبَّة مِن معلولها، وصادقُها من كاذبها، فإنَّ بقوَّة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يُعلم صحَّة محبَّته.

ومن هاهنا كانت محبَّة أكثر الناس كاذبةً، لأنَّهم كلَّهم ادَّعَوا محبَّة الله، فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبَّة، ولم يثبت معه إلَّا الصابرون. فلولا تحمُّل المشاقِّ وتجشُّم المكاره بالصبر لما ثبتت صحَّة محبتهم.

وتبيَّن بذلك أنَّ أعظمهم محبةً أشدُّهم صبرًا. ولهذا وصف الله بالصبر خاصَّة أحبابه وأوليائه، فقال عن حبيبه أيُّوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾، ثمّ أثنى عليه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ﴾ [ص: ٤٤].

  1. (١) والمؤلف صادر في تحريره وتقريره عن «شرح التلمساني» (ص ٢١٩ - ٢٢٠).
463

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي