مدارج السالكين

فهذا سبب كون الصبر منكرًا في طريق التوحيد، بل من أنكر المنكر كما قال، لأنَّ التوحيد يردُّ الأشياء إلى الله، والصبر يردُّ الأشياء إلى النفس، وإثبات النفس في التوحيد منكر.

هذا حاصل كلامه محرَّرًا مقرَّرًا١. وهو من منكر كلامه.

بل الصبر من آكد المنازل في طريق المحبَّة، وألزمها للمحبِّين، وهم أحوج إلى منزلته من كلِّ منزلةٍ. وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها، وحاجة المحبِّ إليه ضروريَّةٌ.

فإن قيل: كيف تكون حاجة المحبِّ إليه ضروريةً، مع منافاته لكمال المحبَّة، فإنَّه لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب؟

قيل: هذه هي النُّكتة التي كان لأجلها من آكد المنازل في طريق المحبَّة وأعلقها بها. وبه يُعلم صحيح المحبَّة مِن معلولها، وصادقُها من كاذبها، فإنَّ بقوَّة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يُعلم صحَّة محبَّته.

ومن هاهنا كانت محبَّة أكثر الناس كاذبةً، لأنَّهم كلَّهم ادَّعَوا محبَّة الله، فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبَّة، ولم يثبت معه إلَّا الصابرون. فلولا تحمُّل المشاقِّ وتجشُّم المكاره بالصبر لما ثبتت صحَّة محبتهم.

وتبيَّن بذلك أنَّ أعظمهم محبةً أشدُّهم صبرًا. ولهذا وصف الله بالصبر خاصَّة أحبابه وأوليائه، فقال عن حبيبه أيُّوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾، ثمّ أثنى عليه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ﴾ [ص: ٤٤].

  1. (١) والمؤلف صادر في تحريره وتقريره عن «شرح التلمساني» (ص ٢١٩ - ٢٢٠).
463

وأمر أحبَّ الخلق إليه بالصبر لحكمه١، وأخبر أنَّ صبره به. وأثنى على الصابرين أحسن الثناء، وضَمِن لهم أعظم الجزاء، وجعل أجر غيرهم محسوبًا وأجرَهم بغير حسابٍ.

وقرن الصّبر بمقامات الإسلام والإيمان والإحسان كما تقدّم، فجعله قرين التوكل واليقين، والإيمان، والأعمال، والتقوى.

وأخبر أنَّ آياته لا ينتفع بها إلا أولو الصّبر، وأخبر أنَّ الصبر خيرٌ لأهله، وأنَّ الملائكة تسلِّم عليهم في الجنة بصبرهم، كما تقدَّم ذلك.

وليس في استكراه النُّفوس لألم ما تصبر عليه وإحساسِها به ما يقدح في محبَّتها ولا توحيدها، فإنَّ إحساسها بالألم ونفرتها منه أمرٌ طبعيٌّ لها، كاقتضائها للغذاء من الطعام والشراب وتألُّمها بفقده. فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها وتعطيلها بالكلِّيَّة، وإلَّا لم تكن نفسًا إنسانيَّةً وارتفعت المحبة٢، وكانت عالمًا آخر.

والصبر والمحبَّة لا يتناقضان، بل يتواخيان ويتصاحبان، والمحبُّ صبور. بل٣ علَّة الصبر في الحقيقة، المُناقِضةُ للمحبَّة، المُزاحِمةُ للتوحيد: أن يكون الباعث عليه غيرَ إرادة رضا المحبوب، بل إرادةَ غيره، أو مزاحمتُه بإرادة غيره، أو المرادِ منه لا مرادِه؛ هذه هي وحشة الصبر ونكارته.

  1. (١) وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
  2. (٢) ع: «المحنة».
  3. (٣) في الأصل، ل: «بلى». وفي ع: «بلا». ولعل المثبت من سائر النسخ أولى.
464

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي