مدارج السالكين

وأمر أحبَّ الخلق إليه بالصبر لحكمه١، وأخبر أنَّ صبره به. وأثنى على الصابرين أحسن الثناء، وضَمِن لهم أعظم الجزاء، وجعل أجر غيرهم محسوبًا وأجرَهم بغير حسابٍ.

وقرن الصّبر بمقامات الإسلام والإيمان والإحسان كما تقدّم، فجعله قرين التوكل واليقين، والإيمان، والأعمال، والتقوى.

وأخبر أنَّ آياته لا ينتفع بها إلا أولو الصّبر، وأخبر أنَّ الصبر خيرٌ لأهله، وأنَّ الملائكة تسلِّم عليهم في الجنة بصبرهم، كما تقدَّم ذلك.

وليس في استكراه النُّفوس لألم ما تصبر عليه وإحساسِها به ما يقدح في محبَّتها ولا توحيدها، فإنَّ إحساسها بالألم ونفرتها منه أمرٌ طبعيٌّ لها، كاقتضائها للغذاء من الطعام والشراب وتألُّمها بفقده. فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها وتعطيلها بالكلِّيَّة، وإلَّا لم تكن نفسًا إنسانيَّةً وارتفعت المحبة٢، وكانت عالمًا آخر.

والصبر والمحبَّة لا يتناقضان، بل يتواخيان ويتصاحبان، والمحبُّ صبور. بل٣ علَّة الصبر في الحقيقة، المُناقِضةُ للمحبَّة، المُزاحِمةُ للتوحيد: أن يكون الباعث عليه غيرَ إرادة رضا المحبوب، بل إرادةَ غيره، أو مزاحمتُه بإرادة غيره، أو المرادِ منه لا مرادِه؛ هذه هي وحشة الصبر ونكارته.

  1. (١) وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
  2. (٢) ع: «المحنة».
  3. (٣) في الأصل، ل: «بلى». وفي ع: «بلا». ولعل المثبت من سائر النسخ أولى.
464

وأمَّا من رأى صبره لله، وصبَرَ بالله١، وصبر مع الله، مشاهدًا أنَّ صبره به تعالى لا بنفسه= فهذا لا تلحق محبَّته وحشةٌ، ولا توحيدَه نكارةٌ.

ثمَّ لو استقام له هذا لكان في نوعٍ واحدٍ من أنواع الصبر، وهو الصبر على المكاره. فأمَّا الصبر على الطاعات، وهو حبس النفس عليها؛ وعن المخالفات، وهو منع النفس منها طوعًا واختيارًا والتذاذًا= فأيُّ وحشةٍ في هذا؟ وأيُّ نكارةٍ فيه؟

فإن قيل: إذا كان يفعل ذلك طوعًا ومحبَّةً ورضًا وإيثارًا، لم يكن الحامل له على ذلك الصبر، فيكون صبره في هذه الحال ملزوم الوحشة والنكارة، لمنافاتها لحال المحبِّ.

قيل: لا منافاة في ذلك بوجهٍ، فإنَّ صبره حينئذٍ قد اندرج في رضاه وانطوى فيه، وصار الحكم للرِّضا، لا أنَّ الصبر عدمٌ، بل لقوَّة وارد الرِّضا والحبِّ وإيثارِ مراد المحبوب= صار المشهد والمنزل للرِّضا بحكم الحال، والصبر جزءٌ منه ومنطوٍ فيه.

ونحن لا ننكر هذا القدر، فإن كان هو المراد فحبَّذا الوفاق، وليس المقصود القيل والقال ومنازعات الجدال. وإن كان غيره، فقد عرف ما فيه.

فصل

قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الصبر عن المعصية،

  1. (١) ع: «رأى صبره بالله، وصبَرَ لله».
  2. (٢) (ص ٣٨).
465

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي