مدارج السالكين

وأمَّا من رأى صبره لله، وصبَرَ بالله١، وصبر مع الله، مشاهدًا أنَّ صبره به تعالى لا بنفسه= فهذا لا تلحق محبَّته وحشةٌ، ولا توحيدَه نكارةٌ.

ثمَّ لو استقام له هذا لكان في نوعٍ واحدٍ من أنواع الصبر، وهو الصبر على المكاره. فأمَّا الصبر على الطاعات، وهو حبس النفس عليها؛ وعن المخالفات، وهو منع النفس منها طوعًا واختيارًا والتذاذًا= فأيُّ وحشةٍ في هذا؟ وأيُّ نكارةٍ فيه؟

فإن قيل: إذا كان يفعل ذلك طوعًا ومحبَّةً ورضًا وإيثارًا، لم يكن الحامل له على ذلك الصبر، فيكون صبره في هذه الحال ملزوم الوحشة والنكارة، لمنافاتها لحال المحبِّ.

قيل: لا منافاة في ذلك بوجهٍ، فإنَّ صبره حينئذٍ قد اندرج في رضاه وانطوى فيه، وصار الحكم للرِّضا، لا أنَّ الصبر عدمٌ، بل لقوَّة وارد الرِّضا والحبِّ وإيثارِ مراد المحبوب= صار المشهد والمنزل للرِّضا بحكم الحال، والصبر جزءٌ منه ومنطوٍ فيه.

ونحن لا ننكر هذا القدر، فإن كان هو المراد فحبَّذا الوفاق، وليس المقصود القيل والقال ومنازعات الجدال. وإن كان غيره، فقد عرف ما فيه.

فصل

قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الصبر عن المعصية،

  1. (١) ع: «رأى صبره بالله، وصبَرَ لله».
  2. (٢) (ص ٣٨).
465

بمطالعة الوعيد، إبقاءً على الإيمان وحذرًا من الحرام١. وأحسن منها: الصبر عن المعصية حياءً).

ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين.

أمَّا السببان: فالخوف من لحوق الوعيد المترتِّب عليها. والثَّاني: الحياء من الربِّ تعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه، وأن يبارز بالعظائم.

وأمَّا الفائدتان: فالإبقاء على الإيمان، والحذر من الحرام.

فأمَّا مطالعة الوعيد والخوف منه، فيبعث عليه قوَّةُ الإيمان بالخبر والتصديقُ بمضمونه.

وأمّا الحياء، فيبعث عليه قوَّةُ المعرفة ومشاهدةُ معاني الأسماء والصفات. وأحسن من ذلك: أن يكون الباعث عليه وازع الحبِّ، فيترك معصيته محبَّةً له، كحال الصُّهَيبيِّين٢.

  1. (١) ج، ن: «الجزاء»، وإليه أُصلح في ل. وهو لفظ مطبوعة «المنازل» وعليه شرحه القاساني (ص ١٩٨). والمثبت من الأصل وغيره موافق لبعض نسخ «المنازل» كما في هامش المطبوع، وعليه شرحه التلمساني (ص ٢٢٠، ٢٢١).
  2. (٢) إشارة إلى ما ذُكر عن عمر أنه قال: «نعم العبد صُهَيب، لو لم يخف الله لم يعصه». أول من ذكره ــ فيما وقفت عليه ــ أبو عبيد في «غريب الحديث» (٤/ ٢٨٤)، ولكنه لم يُسنده. ثم اشتهر ذلك في كتب النحاة والأصوليين حيث ذكروه في مبحث «لو» الشرطية لبيان أنه لا يلزم امتناع الجواب في نفس الأمر عند امتناع شرطه، فقد ذكره ابن مالك في «شرح التسهيل» (٤/ ٩٤)، والرضي في «شرح الكافية» (٤/ ٤٥٢)، وابن هشام في «مغني اللبيب» (ص ٢٨٥) والزركشي في «البحر المحيط» (٢/ ٢٨٧) وغيرهم. وذكره المؤلف في «بدائع الفوائد» (١/ ٩٢) و«طريق الهجرتين» (٢/ ٥٩٠). ولشيخ الإسلام جزء في جواب من سأله عن معنى «لو» فيه، مطبوع ضمن «جامع المسائل» (٩/ ٤٣٥ - ٤٦٣).
    قال ابن كثير في «مسند الفاروق» (٣/ ١١٥): «لم أره إلى الآن بإسنادٍ عن عمر». وقد روي نحوه عن عمر عن النبي ﷺ في سالم مولى أبي حذيفة، ولكن إسناده تالف. انظر: «الضعيفة» للألباني (١٠٠٦، ٣١٧٩).
466

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي