مدارج السالكين

بمطالعة الوعيد، إبقاءً على الإيمان وحذرًا من الحرام١. وأحسن منها: الصبر عن المعصية حياءً).

ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين.

أمَّا السببان: فالخوف من لحوق الوعيد المترتِّب عليها. والثَّاني: الحياء من الربِّ تعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه، وأن يبارز بالعظائم.

وأمَّا الفائدتان: فالإبقاء على الإيمان، والحذر من الحرام.

فأمَّا مطالعة الوعيد والخوف منه، فيبعث عليه قوَّةُ الإيمان بالخبر والتصديقُ بمضمونه.

وأمّا الحياء، فيبعث عليه قوَّةُ المعرفة ومشاهدةُ معاني الأسماء والصفات. وأحسن من ذلك: أن يكون الباعث عليه وازع الحبِّ، فيترك معصيته محبَّةً له، كحال الصُّهَيبيِّين٢.

  1. (١) ج، ن: «الجزاء»، وإليه أُصلح في ل. وهو لفظ مطبوعة «المنازل» وعليه شرحه القاساني (ص ١٩٨). والمثبت من الأصل وغيره موافق لبعض نسخ «المنازل» كما في هامش المطبوع، وعليه شرحه التلمساني (ص ٢٢٠، ٢٢١).
  2. (٢) إشارة إلى ما ذُكر عن عمر أنه قال: «نعم العبد صُهَيب، لو لم يخف الله لم يعصه». أول من ذكره ــ فيما وقفت عليه ــ أبو عبيد في «غريب الحديث» (٤/ ٢٨٤)، ولكنه لم يُسنده. ثم اشتهر ذلك في كتب النحاة والأصوليين حيث ذكروه في مبحث «لو» الشرطية لبيان أنه لا يلزم امتناع الجواب في نفس الأمر عند امتناع شرطه، فقد ذكره ابن مالك في «شرح التسهيل» (٤/ ٩٤)، والرضي في «شرح الكافية» (٤/ ٤٥٢)، وابن هشام في «مغني اللبيب» (ص ٢٨٥) والزركشي في «البحر المحيط» (٢/ ٢٨٧) وغيرهم. وذكره المؤلف في «بدائع الفوائد» (١/ ٩٢) و«طريق الهجرتين» (٢/ ٥٩٠). ولشيخ الإسلام جزء في جواب من سأله عن معنى «لو» فيه، مطبوع ضمن «جامع المسائل» (٩/ ٤٣٥ - ٤٦٣).
    قال ابن كثير في «مسند الفاروق» (٣/ ١١٥): «لم أره إلى الآن بإسنادٍ عن عمر». وقد روي نحوه عن عمر عن النبي ﷺ في سالم مولى أبي حذيفة، ولكن إسناده تالف. انظر: «الضعيفة» للألباني (١٠٠٦، ٣١٧٩).
466

وأمّا الفائدتان، فالإبقاء على الإيمان يبعث على ترك المعصية، لأنها لا بدَّ أن تَنقصه، أو تَذهب به، أو تُذهب رونقَه وبهجته، أو تطفئ نوره، أو تضعف قوَّته، أو تَنقص ثمرته. وهذا أمرٌ ضروريٌّ بين المعصية وبين الإيمان، يُعلم بالوجود والخبر والعقل، كما صحَّ عنه ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرفٍ يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، فإيَّاكم إيَّاكم، والتوبة معروضةٌ بعد»١.

وأمَّا الحذر عن٢ الحرام، فهو الصبر عن كثيرٍ من المباح حذرًا من أن يسوقه إلى الحرام.

ولمَّا كان الحياء من شيم الأشراف وأهل الكرم والنُّفوس الزكيَّة، كان صاحبه أحسنَ حالًا من أهل الخوف.

ولأنَّ في الحياء من الله ما يدلُّ على مراقبته وحضور القلب معه.

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة، وزيادة «فإيَّاكم إيَّاكم» جاءت في بعض الطرق عند مسلم (٥٧/ ١٠٣)، والظاهر أنها من لفظ أبي هريرة كما جاء مصرَّحًا عند عبد الرزاق (١٣٦٨٤).
  2. (٢) ش: «من».
467

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي