وأمّا الفائدتان، فالإبقاء على الإيمان يبعث على ترك المعصية، لأنها لا بدَّ أن تَنقصه، أو تَذهب به، أو تُذهب رونقَه وبهجته، أو تطفئ نوره، أو تضعف قوَّته، أو تَنقص ثمرته. وهذا أمرٌ ضروريٌّ بين المعصية وبين الإيمان، يُعلم بالوجود والخبر والعقل، كما صحَّ عنه ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرفٍ يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، فإيَّاكم إيَّاكم، والتوبة معروضةٌ بعد»١.
وأمَّا الحذر عن٢ الحرام، فهو الصبر عن كثيرٍ من المباح حذرًا من أن يسوقه إلى الحرام.
ولمَّا كان الحياء من شيم الأشراف وأهل الكرم والنُّفوس الزكيَّة، كان صاحبه أحسنَ حالًا من أهل الخوف.
ولأنَّ في الحياء من الله ما يدلُّ على مراقبته وحضور القلب معه.
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة، وزيادة «فإيَّاكم إيَّاكم» جاءت في بعض الطرق عند مسلم (٥٧/ ١٠٣)، والظاهر أنها من لفظ أبي هريرة كما جاء مصرَّحًا عند عبد الرزاق (١٣٦٨٤).
(٢) ش: «من».
ولأنَّ فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في وازع الخوف، فمَن وازِعُه الخوف: قلبه حاضرٌ مع العقوبة، ومَن وازعه الحياء: قلبه حاضرٌ مع الله. والخائف مراعٍ جانبَ نفسه وحمايتها، والمستحيي مراعٍ جانب ربِّه وملاحظة عظمته.
وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان، غير أنَّ الحياء أقرب إلى مقام الإحسان وألصق به، فإنه إذا نزَّل نفسه منزلة من كأنَّه يرى الله نبعت ينابيع الحياء من عين قلبه وتفجَّرت عيونها.
قال١: (الدرجة الثانية: الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها دوامًا، وبرعايتها إخلاصًا، وبتحسينها علمًا).
هذا يدلُّ على أنَّ عنده: أنَّ فعل الطاعة آكد من ترك المعصية، فيكون الصبر عليها فوق الصبر على ترك المعصية في الدرجة. وهذا هو الصواب كما تقدَّم، فإنَّ ترك المعصية إنَّما كان لتكميل الطاعة، والنهي مقصودٌ للأمر، فالمنهيُّ عنه لمَّا كان يُضعف المأمور به ويَنقصه ويُهجِّنه= نهى عنه حمايةً وصيانةً لجانب الأمر، فجانب الأمر أقوى وآكد. وهو بمنزلة الصحَّة والحياة، والنهي بمنزلة الحِمْية التي تراد لحفظ الصِّحّة وأسباب الحياة.
وذكر الشيخ أنَّ الصَّبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء: دوام٢ الطاعة، والإخلاص فيها، ووقوعها على مقتضى العلم وهو (تحسينها علمًا).