ولأنَّ فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في وازع الخوف، فمَن وازِعُه الخوف: قلبه حاضرٌ مع العقوبة، ومَن وازعه الحياء: قلبه حاضرٌ مع الله. والخائف مراعٍ جانبَ نفسه وحمايتها، والمستحيي مراعٍ جانب ربِّه وملاحظة عظمته.
وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان، غير أنَّ الحياء أقرب إلى مقام الإحسان وألصق به، فإنه إذا نزَّل نفسه منزلة من كأنَّه يرى الله نبعت ينابيع الحياء من عين قلبه وتفجَّرت عيونها.
قال١: (الدرجة الثانية: الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها دوامًا، وبرعايتها إخلاصًا، وبتحسينها علمًا).
هذا يدلُّ على أنَّ عنده: أنَّ فعل الطاعة آكد من ترك المعصية، فيكون الصبر عليها فوق الصبر على ترك المعصية في الدرجة. وهذا هو الصواب كما تقدَّم، فإنَّ ترك المعصية إنَّما كان لتكميل الطاعة، والنهي مقصودٌ للأمر، فالمنهيُّ عنه لمَّا كان يُضعف المأمور به ويَنقصه ويُهجِّنه= نهى عنه حمايةً وصيانةً لجانب الأمر، فجانب الأمر أقوى وآكد. وهو بمنزلة الصحَّة والحياة، والنهي بمنزلة الحِمْية التي تراد لحفظ الصِّحّة وأسباب الحياة.
وذكر الشيخ أنَّ الصَّبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء: دوام٢ الطاعة، والإخلاص فيها، ووقوعها على مقتضى العلم وهو (تحسينها علمًا).
(١) «المنازل» (ص ٣٨). وزِيد في ج، ن قبله «فصل».
(٢) ع: «بدوام».
فإنَّ الطاعة تتخلَّف من فوات واحدٍ من هذه الثلاثة، فإنَّه١ إن لم يحافظ عليها دوامًا عطَّلها، وإن حافظ عليها دوامًا عرض لها آفتان.
إحداهما: ترك الإخلاص فيها، بأن يكون الباعث عليها غير وجه الله وإرادتِه والتقرُّب إليه. فحفظها من هذه الآفة برعاية الإخلاص.
الثانية٢: أن لا تكون مطابقةً للعلم، بحيث لا تكون على اتِّباع السنَّة. فحفظها من هذه الآفة بتجريد المتابعة، كما أنَّ حفظها من تلك بتجريد القصد والإرادة. فلذلك قال: (بالمحافظة عليها دوامًا، ورعايتها إخلاصًا، وتحسينها علمًا).
فصل
قال٣: (الدرجة الثالثة: الصبرُ في البلاء بملاحظة حسن الجزاء، وانتظارِ رَوح الفرج، وتهوينِ البليَّة بِعَدِّ أيادي المنن وتذكُّر سوالف النِّعم).
هذه ثلاثة أشياء تبعث٤ على الصبر في البلاء.
أحدها: ملاحظة حسن الجزاء، وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخِفُّ حملُ البلاء لشهود العوض. وهذا كما يخفُّ على كلِّ متحمِّلٍ مشقَّةً عظيمةً حملُها لِما يلاحظه من لذَّة عاقبتها وظفره بها. ولولا ذلك لتعطَّلت مصالح الدُّنيا والآخرة. وما أقدم أحدٌ على تحمُّل مشقَّةٍ عاجلةٍ