فإنَّ الطاعة تتخلَّف من فوات واحدٍ من هذه الثلاثة، فإنَّه١ إن لم يحافظ عليها دوامًا عطَّلها، وإن حافظ عليها دوامًا عرض لها آفتان.
إحداهما: ترك الإخلاص فيها، بأن يكون الباعث عليها غير وجه الله وإرادتِه والتقرُّب إليه. فحفظها من هذه الآفة برعاية الإخلاص.
الثانية٢: أن لا تكون مطابقةً للعلم، بحيث لا تكون على اتِّباع السنَّة. فحفظها من هذه الآفة بتجريد المتابعة، كما أنَّ حفظها من تلك بتجريد القصد والإرادة. فلذلك قال: (بالمحافظة عليها دوامًا، ورعايتها إخلاصًا، وتحسينها علمًا).
فصل
قال٣: (الدرجة الثالثة: الصبرُ في البلاء بملاحظة حسن الجزاء، وانتظارِ رَوح الفرج، وتهوينِ البليَّة بِعَدِّ أيادي المنن وتذكُّر سوالف النِّعم).
هذه ثلاثة أشياء تبعث٤ على الصبر في البلاء.
أحدها: ملاحظة حسن الجزاء، وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخِفُّ حملُ البلاء لشهود العوض. وهذا كما يخفُّ على كلِّ متحمِّلٍ مشقَّةً عظيمةً حملُها لِما يلاحظه من لذَّة عاقبتها وظفره بها. ولولا ذلك لتعطَّلت مصالح الدُّنيا والآخرة. وما أقدم أحدٌ على تحمُّل مشقَّةٍ عاجلةٍ
وأجمع العقلاء من كلِّ أمَّةٍ٢ على أنَّ النعيم لا يُدرَك بالنعيم، وأنَّ من رافق الراحة فارق الراحة٣، وأن على قدر التعب تكون الراحة.
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُوتأتي على قدر الكريم الكرائم
ويَكبُر في عين الصغير صغيرُها٤... وتصغر في عين العظيم العظائمُ٥
والقصد: أنَّ ملاحظة حسن العاقبة تُعين على الصبر فيما تتحمَّله باختيارك وغير اختيارك.
والثاني: انتظار رَوح الفرج، يعني راحته ونسيمه ولذَّته، فإنَّ انتظاره ومطالعته وترقُّبه يخفِّف حمل المشقَّة، ولا سيَّما عند قوَّة الرجاء والقطع٦ بالفَرَج، فإنَّه يجد في حشو البلاء من رَوح الفرج ونسيمه وراحته ما هو مِن خفيِّ الألطاف، وما هو فرجٌ معجَّل. وبه وبغيره يُفهَم معنى اسمه اللطيف.
(١) ش: «مولعة». والمثبت من سائر النسخ له نظائر في كتب المؤلف، كـ «عدَّة الصابرين» (ص ٦٥) و«زاد المعاد» (٣/ ١٨ - الهامش). وجاء في «تكملة المعاجم» لدوزي (١١/ ٢٠٥): «موكَّل بـ: ميَّال إلى، نَزوع إلى، مجبول على».
(٢) ع: «عقلاء كل أمة».
(٣) في ع زيادة: «وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة». إقحام ركيك، ليس من المؤلف قطعًا!
(٤) ش: «صغارها»، وهو لفظ الرواية في «الديوان».
(٥) البيتان للمتنبي في «ديوانه» (٤/ ٩٤) ط. البرقوقي.