وأجمع العقلاء من كلِّ أمَّةٍ٢ على أنَّ النعيم لا يُدرَك بالنعيم، وأنَّ من رافق الراحة فارق الراحة٣، وأن على قدر التعب تكون الراحة.
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُوتأتي على قدر الكريم الكرائم
ويَكبُر في عين الصغير صغيرُها٤... وتصغر في عين العظيم العظائمُ٥
والقصد: أنَّ ملاحظة حسن العاقبة تُعين على الصبر فيما تتحمَّله باختيارك وغير اختيارك.
والثاني: انتظار رَوح الفرج، يعني راحته ونسيمه ولذَّته، فإنَّ انتظاره ومطالعته وترقُّبه يخفِّف حمل المشقَّة، ولا سيَّما عند قوَّة الرجاء والقطع٦ بالفَرَج، فإنَّه يجد في حشو البلاء من رَوح الفرج ونسيمه وراحته ما هو مِن خفيِّ الألطاف، وما هو فرجٌ معجَّل. وبه وبغيره يُفهَم معنى اسمه اللطيف.
(١) ش: «مولعة». والمثبت من سائر النسخ له نظائر في كتب المؤلف، كـ «عدَّة الصابرين» (ص ٦٥) و«زاد المعاد» (٣/ ١٨ - الهامش). وجاء في «تكملة المعاجم» لدوزي (١١/ ٢٠٥): «موكَّل بـ: ميَّال إلى، نَزوع إلى، مجبول على».
(٢) ع: «عقلاء كل أمة».
(٣) في ع زيادة: «وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة». إقحام ركيك، ليس من المؤلف قطعًا!
(٤) ش: «صغارها»، وهو لفظ الرواية في «الديوان».
(٥) البيتان للمتنبي في «ديوانه» (٤/ ٩٤) ط. البرقوقي.
(٦) ع: «أو القطع».
والثالث: تهوين البليَّة بأمرين:
أحدهما: أن يَعُدَّ نعم الله عليه وأياديه عنده. فإذا عجَز عن عدِّها وأيس من حصرها، هان عليه ما هو فيه من البلاء، ورآه بالنِّسبة إلى أيادي الله ونعمه كقطرةٍ من بحرٍ.
الثّاني: أن يذكر١ سوالف النِّعم التي أنعم الله بها عليه. فهذا يتعلَّق بالماضي، وتعداد أيادي المنن يتعلَّق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء وانتظار رَوح الفرج يتعلق بالمستقبل، وأحدهما في الدُّنيا والثاني يوم الجزاء.
ويُحكى عن امرأةٍ من العُبَّاد٢ أنَّها عثرت فانقطعت إصبعها، فضحكت، فقال لها بعض من معها: أتضحكين وقد انقطعت إصبعك؟ فقالت: أخاطبك على قدر عقلك: حلاوةُ أجرها أنستني مرارة ذكرها٣. أشارت إلى أنَّ عقله لا يحتمل ما٤ فوق هذا المقام مِن ملاحظة المُبلي، ومشاهدةِ حسن اختياره لها في ذلك البلاء، وتلذُّذها بالشُّكر له والرِّضا عنه، ومقابلة ما جاء من قِبَله بالحمد والشُّكر. كما قيل٥:
لئن ساءني أن نلتَني بمساءةٍلقد٦ سرَّني أنِّي خطرت ببالكا
(١) ع: «تذكُّرُ».
(٢) ع: «العابدات».
(٣) أسند الدِّينَوَري في «المجالسة» (٣٠٦١) عن امرأة فتح المَوصلي الكبير ــ زاهد زمانه ت ١٧٠ ــ نحوه، وليس فيه «أخاطبك على قدر عقلك».
(٤) «ما» سقطت من ش، ج، ن.
(٥) البيت بقافية الكاف المكسورة (ببالكِ) لابن الدمينة في «الحماسة» (٢/ ٦٢)، و«ديوانه» (١٧).