ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الرِّضا.
وقد أجمع العلماء على أنه مستحبٌّ مؤكَّدٌ استحبابُه، واختلفوا في وجوبه على قولين١. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يحكيهما قولين لأصحاب أحمد. وكان يذهب إلى القول باستحبابه، قال: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحُهم. قال: وأمَّا ما يُروى من الأثر: «من لم يصبر على بلائي، ولم يرضَ بقضائي، فليتَّخذ ربًّا سواي»٢، فهذا أثرٌ إسرائيليٌّ، ليس يصحُّ عن النبي ﷺ٣.
قلت: ولا سيّما عند من يرى أنّه من جملة الأحوال التي ليست مكتسبة، وأنه٤ موهبة محضة، فكيف يؤمر به وليس مقدورًا؟
وهذه مسألةٌ اختلف فيها أرباب السُّلوك على ثلاث طرقٍ، فالخراسانيُّون قالوا: إن الرِّضا من جملة المقامات، وهو نهاية التّوكُّل. فعلى
(١) كتب بعضهم في هامش الأصل: «ليت شعري كيف يسوغ له دعوى الإجماع مع نقل الخلاف في الوجوب. كتبه عبد الرحمن [.....] الشافعي». ويجاب عنه بأنه أراد بالاستحباب المُجمَع عليه ما يشمل الندب والوجوب.
(٢) روي مرفوعًا من حديثي أبي هندٍ الداري وأنس بن مالك بأسانيد واهية جدًّا. وقد سبق تخريجه مفصَّلًا (١/ ١٦٧).
والعراقيُّون قالوا: هو من جملة الأحوال، وليس كسبيًّا للعبد، بل هو نازلةٌ تحلُّ بالقلب كسائر الأحوال. والفرق بين المقامات والأحوال: أنَّ المقامات عندهم من المكاسب، والأحوال مجرَّد المواهب.
وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين ــ منهم صاحب «الرِّسالة»١ وغيره ــ فقالوا: يمكن الجمع بينهما بأن يقال: بداية الرِّضا مكتسبةٌ للعبد، وهي من جملة المقامات، ونهايته من جملة الأحوال وليست مكتسبةً، فأوَّله مقامٌ ونهايته حالٌ.
واحتجَّ من جعله من جملة المقامات بأنَّ الله مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه، فدلَّ ذلك على أنه مقدورٌ لهم.
وقال النبيُّ ﷺ: «ذاق طعمَ الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا»٢.
وقال: «من قال حين يسمع النِّداء: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا، غفرت له ذنوبه»٣.
وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدِّين، وإليهما ينتهي. وقد تضمَّنا
(١) (ص ٤٥٣).
(٢) أخرجه مسلم (٣٤) من حديث العبَّاس بن عبد المطلب.
(٣) أخرجه مسلم (٣٨٦) من حديث سعد بن أبي وقاص، وتمام لفظه: «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا= غفر له ذنبه».