مدارج السالكين

الرِّضا بربوبيَّته سبحانه وإلهيَّته١، والرِّضا برسوله والانقياد له، والرِّضا بدينه والتسليمله. ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصِّدِّيق حقًّا. وهي سهلةٌ بالدعوى واللِّسان، ومِن أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان. ولا سيَّما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك، تبيَّن أنَّ الرضا كان٢ على لسانه لا على حاله.

فالرِّضا بإلهيَّته يتضمَّن الرِّضا بمحبَّته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتّبتُّل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحبِّ كلِّها إليه؛ فِعْلَ٣ الراضي بمحبوبه كلَّ الرِّضا. وذلك يتضمَّن عبادته والإخلاص له.

والرِّضا بربوبيته يتضمَّن الرِّضا بتدبيره لعبده، ويتضمَّن إفراده بالتوكُّل عليه، والاستعانة به، والثِّقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكلِّ ما يفعله به. فالأوَّل يتضمّن رضاه بما يأمره به، والثاني يتضمَّن رضاه بما يُقدِّر عليه.

وأمّا الرِّضا بنبيِّه رسولًا، فيتضمَّن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقَّى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكِّم عليه غيرَه، ولا يرضى بحكم غيره البتَّة، لا في شيءٍ من أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله، ولا في شيءٍ من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيءٍ من أحكامِ ظاهرِه وباطنه؛ لا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلَّا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمُه غيرَه من باب غذاء

  1. (١) ش، ع: «وألوهيته».
  2. (٢) زيد في ع: «لسانُه به ناطقًا، فهو».
  3. (٣) ع: «فعلى»، خطأ.
478

المضطرِّ إذا لم يجد ما يُقيته إلَّا من الميتة والدم، وأحسنُ أحواله أن يكون من باب التُّراب الذي إنَّما يتيمَّم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.

وأمّا الرِّضا بدينه، فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى رضي كلَّ الرِّضا، ولم يبق في قلبه حرجٌ من حكمه، وسلَّم له تسليمًا ولو كان مخالفًا لمراد نفسه وهواها، وقول مقلَّده١ وشيخه وطائفته.

وهاهنا يُوحشك الناس كلُّهم إلَّا الغرباء في العالم، فإيَّاك وأن٢ تستوحش من الاغتراب والتفرُّد، فإنَّه واللهِ عينُ العزِّ، والصُّحبة مع الله تعالى ورسوله، ورَوح الأنس به والرِّضا به ربًّا وبمحمَّدٍ رسولًا وبالإسلام دينًا.

بل الصادق كلَّما وجد أُنس٣ الاغتراب، وذاق حلاوته، وتنسَّم رَوحه= قال: اللهمَّ زدني اغترابًا، ووحشةً من العالم، وأنسًا بك.

وكلَّما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التّفرُّد رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذلَّ عين العزِّ بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزُبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيُّد برسومهم وأوضاعهم؛ فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق، ولم يبع حظَّه من الله بموافقتهم فيما لا يُجدي عليه إلَّا الحرمان وغايتُه مودَّة بينهم في الحياة الدُّنيا؛ فإذا تقطَّعت٤ الأسباب، وحقَّت الحقائق، وبعثر ما في القبور، وحصِّل ما في الصُّدور، وبُليت السرائر،

  1. (١) ع: «أو هواها أو قول مقلَّده».
  2. (٢) في النسخ عدا الأصل، ل: «فإياك أن».
  3. (٣) المثبت من ج، ن. وفي ش: «سرَّ». وفي ل، ع: «مسَّ»، وكذا جُعل في الأصل بعد تغيير ومسح، ولعله كان كالمثبت قبل ذلك.
  4. (٤) في النسخ عدا الأصل، ل: «انقطعت».
479

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي