مدارج السالكين

ولم يجد من دون مولاه الحقِّ من قوَّةٍ ولا ناصرٍ= تبيَّن١ له حينئذٍ مواقع الرِّبح من الخسران، وما الذي يخفُّ أو يرجح به الميزان. والله المستعان، وعليه التُّكلان.

والتحقيق في المسألة: أنَّ الرضا كسبيٌّ باعتبار سببه، موهبيٌّ باعتبار حقيقته، فيمكن أن يُنال٢ بالكسب لأسبابه. فإذا تمكَّن في أسبابه وغرس شجرته اجتنى منها ثمرة الرِّضا، فإنَّ الرضا آخر التوكُّل، فمن رسخ قدمُه في التوكُّل والتسليم والتفويض حصل له الرضا ولا بدَّ. ولكن لعزَّته، وعدم إجابة أكثر النُّفوس له، وصعوبته عليها= لم يوجبه الله على خلقه رحمةً بهم وتخفيفًا عنهم، لكن ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أنَّ ثوابه رضاه عنهم٣، الذي هو أعظم وأكبر وأجلُّ من الجنات٤ وما فيها٥.

فمن رضي عن ربِّه ﵁، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوفٌ بنوعين من رضاه عن عبده: رضًا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه، ورضًا بعده هو ثمرة رضاه عنه. ولذلك كان الرِّضا باب الله الأعظم، وجنَّة الدُّنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبِّين، ونعيم العابدين،

  1. (١) ع: «يتبيَّن».
  2. (٢) ع: «يقال».
  3. (٣) كما في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
  4. (٤) ع: «الجنان».
  5. (٥) كما قال تعالى بعد أن ذكر الجنات وأنهارها ومساكنها: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].
480

وقرَّة عيون المشتاقين.

ومن أعظم أسباب حصول الرِّضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنَّه يوصله إلى مقام الرِّضا ولا بدَّ.

قيل ليحيى بن معاذٍ ﵀: متى يبلغ العبد إلى مقام الرِّضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصولٍ فيما يعامل به ربَّه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني١ عبدت، وإن دعوتني أجبت٢.

وقال الجنيد ﵀: الرِّضا هو صحّة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدَّاه إلى الرِّضا٣.

وليس الرِّضا والمحبة كالرجاء والخوف، فإنَّ الرِّضا والمحبَّة حالان من أحوال أهل الجنَّة، لا يفارقان٤ في الدُّنيا، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة؛ بخلاف الخوف والرجاء فإنَّهما يفارقان أهل الجنّة بحصول ما كانوا يرجونه وأَمْنِهم ممَّا كانوا يخافونه. وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائمًا، لكنَّه ليس رجاءً مشوبًا بشكٍّ، بل رجاءُ واثقٍ بوعدٍ صادقٍ من حبيبٍ قادرٍ، فهذا لونٌ ورجاؤهم في الدُّنيا لون.

  1. (١) ع: «طردتني».
  2. (٢) لم أجده على هذا الوجه. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٦٦) هذه الكلمات «إن أعطيتني قبلت ...» في ثنايا دعاء له وابتهال.
  3. (٣) لم أجده.
  4. (٤) زاد في ع: «المتلبس بهما».
481

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي