ومن أعظم أسباب حصول الرِّضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنَّه يوصله إلى مقام الرِّضا ولا بدَّ.
قيل ليحيى بن معاذٍ ﵀: متى يبلغ العبد إلى مقام الرِّضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصولٍ فيما يعامل به ربَّه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني١ عبدت، وإن دعوتني أجبت٢.
وقال الجنيد ﵀: الرِّضا هو صحّة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدَّاه إلى الرِّضا٣.
وليس الرِّضا والمحبة كالرجاء والخوف، فإنَّ الرِّضا والمحبَّة حالان من أحوال أهل الجنَّة، لا يفارقان٤ في الدُّنيا، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة؛ بخلاف الخوف والرجاء فإنَّهما يفارقان أهل الجنّة بحصول ما كانوا يرجونه وأَمْنِهم ممَّا كانوا يخافونه. وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائمًا، لكنَّه ليس رجاءً مشوبًا بشكٍّ، بل رجاءُ واثقٍ بوعدٍ صادقٍ من حبيبٍ قادرٍ، فهذا لونٌ ورجاؤهم في الدُّنيا لون.
(١) ع: «طردتني».
(٢) لم أجده على هذا الوجه. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٦٦) هذه الكلمات «إن أعطيتني قبلت ...» في ثنايا دعاء له وابتهال.
(٣) لم أجده.
(٤) زاد في ع: «المتلبس بهما».
وقال ابن عطاءٍ ﵀: الرِّضا سكون القلب إلى قديم١ اختيار الله للعبد أنَّه اختار له الأفضل، فيرضى به٢. قلت: وهذا الرضا بما منه، وأمَّا الرِّضا به فأعلى من هذا وأفضل، ففرقٌ بين من هو راضٍ بمحبوبه، وبين رضاه فيما يناله٣ من محبوبه من حظوظ نفسه.
فصل
وليس من شرط الرِّضا أن لا يحسَّ بالألم والمكاره، بل أن٤ لا يعترض على الحكم ولا يتسخَّطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرِّضا بالمكروه، وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنعٌ على الطبيعة، وإنما هو الصبر، وإلَّا فكيف يجتمع الرِّضا والكراهة وهما ضدَّان؟
والصواب: أنَّه لا تناقض بينهما، وأنَّ وجود التألُّم وكراهةَ النفس له لا ينافي الرِّضا، كرضا المريض شربَ٥ الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحرِّ بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها.
وطريق الرِّضا طريق مختصرة، قريبة جدًّا، موصلة إلى أجلِّ غايةٍ، ولكن فيها مشقَّة. ومع هذا فليست مشقَّتها بأصعب من مشقَّة طريق المجاهدة، ولا
(١) في النسخ عدا ع: «قِدَم»، والمثبت من ع موافق للمصدر.