مدارج السالكين

وقال ابن عطاءٍ ﵀: الرِّضا سكون القلب إلى قديم١ اختيار الله للعبد أنَّه اختار له الأفضل، فيرضى به٢. قلت: وهذا الرضا بما منه، وأمَّا الرِّضا به فأعلى من هذا وأفضل، ففرقٌ بين من هو راضٍ بمحبوبه، وبين رضاه فيما يناله٣ من محبوبه من حظوظ نفسه.

فصل

وليس من شرط الرِّضا أن لا يحسَّ بالألم والمكاره، بل أن٤ لا يعترض على الحكم ولا يتسخَّطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرِّضا بالمكروه، وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنعٌ على الطبيعة، وإنما هو الصبر، وإلَّا فكيف يجتمع الرِّضا والكراهة وهما ضدَّان؟

والصواب: أنَّه لا تناقض بينهما، وأنَّ وجود التألُّم وكراهةَ النفس له لا ينافي الرِّضا، كرضا المريض شربَ٥ الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحرِّ بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها.

وطريق الرِّضا طريق مختصرة، قريبة جدًّا، موصلة إلى أجلِّ غايةٍ، ولكن فيها مشقَّة. ومع هذا فليست مشقَّتها بأصعب من مشقَّة طريق المجاهدة، ولا

  1. (١) في النسخ عدا ع: «قِدَم»، والمثبت من ع موافق للمصدر.
  2. (٢) ذكره الطوسي في «اللمع» (ص ٥٣ - ٥٤)، وتمامه: «ويترك السخط». وذكره القشيري (ص ٤٥٧) بنحوه مختصرًا وسيأتي لفظه قريبًا.
  3. (٣) ع: «وبين من هو راضٍ بما يناله».
  4. (٤) «أن» ساقطة من ل، ج، ن.
  5. (٥) جميع النسخ عدا الأصل، ل: «بشرب».
482

فيها من العقبات والمفاوز ما فيها، وإنَّما عقبتُها همَّة عالية ونفس زكيَّة، وتوطين للنفس على كلِّ ما يَرِد عليها من الله. ويسهِّل ذلك على العبد علمُه بضعفه وعجزه، ورحمةِ ربه وشفقتِه عليه وبرِّه به. فإذا شهد هذا وهذا، ولم يطرح نفسه بين يديه، ويرضى به وعنه، وتنجذب دواعي حبِّه ورضاه كلُّها إليه= فنفسه نفسٌ مطرودةٌ عن الله بعيدةٌ عنه، ليست مؤهَّلةً لقربه وموالاته، أو نفسٌ ممتحَنةٌ مبتلاةٌ بأصناف البلايا والمحن.

فطريق الرِّضا والمحبَّة تُسيِّر العبدَ وهو مستلقٍ على فراشه، فيصبح أمام الرّكب بمراحل.

وثمرة الرِّضا: الفرح والسُّرور بالربِّ ﵎. ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ في المنام، وكأنِّي ذكرت له شيئًا من أعمال القلب وأخذت في تعظيمه ومنفعته، لا أذكره الآن، فقال: أمَّا أنا فطريقتي: الفرحُ بالله والسُّرور به، أو نحو هذا من العبارة. وهكذا كانت حاله في الحياة، يبدو ذلك على ظاهره وينادي به عليه حالُه.

لكن قد قال الواسطيٌّ ﵀: استعمل الرِّضا جهدك، ولا تدع الرِّضا يستعملك، فتكونَ محجوبًا بلذَّته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع١.

وهذا الذي أشار إليه الواسطيُّ هو عقبةٌ عظيمة عند القوم ومقطعٌ لهم؛ فإنَّ مساكنة الأحوال، والسُّكون إليها، والوقوف عندها استلذاذًا ومحبَّةً= حجابٌ بينهم وبين ربِّهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم، وهي عقبةٌ لا يجوزها إلَّا أولو العزائم. وكان الواسطيُّ كثير التحذير من هذه

  1. (١) «اللمع» (ص ٥٤) و«القشيرية» (ص ٤٥٥).
483

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي