مدارج السالكين

والرِّضا اسمٌ للوقوف الصادق حيثما وقف العبدَ، لا يلتمس متقدَّمًا ولا متأخَّرًا، ولا يستزيد مزيدًا، ولا يستبدل١ حالًا. وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص، وأشقِّها على العامَّة).

أمَّا قوله: (لم يدع في هذه الآية للمتسخِّط إليه سبيلًا) فلأنَّه قيَّد رجوعها إليه سبحانه بحالٍ، وهو وصف الرِّضا، فلا سبيل إلى الرُّجوع إليه مع سلب ذلك الوصف عنها. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فإنَّما أوجب لهم هذا السلام من الملائكة والبشارة بقيدٍ، وهو وفاتهم طيِّبين، فلم تُبق الآية لغير الطّيِّب سبيلًا لهذه٢ البشارة.

والحاصل: أن الدُّخول في الرِّضا شرطُ رجوع النفس٣ إلى ربِّها، فلا ترجع إليه إلا إذا كانت راضية.

قلت: هذا تعلُّقٌ بإشارة الآية لا بالمراد منها، فإنَّ المراد منها: رضاها بما حصل لها من كرامته ونالَتْه عند الرُّجوع إليه، فحصل لها رضاها والرِّضا عنها. وهذا يقال لها عند خروجها من دار الدُّنيا وقدومها على الله. قال عبد الله بن عَمْرٍو٤ ﵄: «إذا توفِّي العبد المؤمن أرسل الله إليه ملكين، وأرسل إليه بتحفةٍ من الجنَّة، فيقال: اخرُجي أيَّتها النفس المطمئنَّة،

  1. (١) الأصل، ع: «يستبدله»، والمثبت من سائر النسخ هو لفظ «المنازل»، وسيأتي على الصواب عند شرحه.
  2. (٢) ع: «إلى هذه».
  3. (٣) ع: «شرطٌ في رجوع النفس».
  4. (٤) في النسخ عدا ع: «عبد الله بن عُمَر»، والمثبت موافق لمصادر التخريج.
487

اخرجي إلى رَوحٍ وريحانٍ وربٍّ عنك راضٍ»١.

وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوالٍ للسلف:

أحدها: أنَّه عند الموت، وهو الأشهر. قال الحسن ﵁: إذا أراد الله قبضها اطمأنَّت إلى ربِّها ورضيت عن الله، فيرضى٢ عنها٣.

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٠٢) والطبراني في «الكبير» (١٣/ ٣٥٥ - ٣٥٨) والثعلبي في «الكشف والبيان» (٢٩/ ٣٦٥) من حديث عبد الرحمن ابن البيلماني عن عمرو بن العاص موقوفًا. وابن البيلماني ليّن الحديث. وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا عند النسائي (١٨٣٣) والبزار (٩٥٤١) وابن حبان (٣٠١٤) والطبراني في «الأوسط» (٧٤٢) والحاكم (١/ ٣٥٣) بإسناد جيِّد، ولفظه عند النسائي: «إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضيةً مرضيًّا عنك»، وعند البزار والطبراني زيادة: «أيتها النفس المطمئنة».
    وروي حديث أبي هريرة من وجهٍ آخر عند أحمد (٢٥٠٩٠) والنسائي في «الكبرى» (١١٣٧٨، ١١٩٢٥) وابن ماجه (٤٢٦٢) وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: «اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في جسد طيب، اخرجي حميدةً وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان»؛ وهو كما ترى ليس بصريحٍ في موضع الشاهد المفسِّر للآية. وكذلك حديث البراء الطويل عند أحمد (١٨٥٣٤) وابن أبي شيبة (١٢١٨٥) والحاكم (١٠٧ ــ ط. دار التأصيل) وغيرهم، فإن لفظه: «أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان».
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي مصادر التخريج: «ويرضى».
  3. (٣) أسنده ابن أبي حاتم في «تفسيره» ــ كما في «تغليق التعليق» (٤/ ٣٦٧) ــ بإسناد جيِّد. وقد علَّقه البخاري في كتاب التفسير من «صحيحه» مجزومًا به. والمؤلف صادر عن «معالم التنزيل» للبغوي (٨/ ٤٢٣)، وكذا في الأقوال الآتية.
488

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي