مدارج السالكين

اخرجي إلى رَوحٍ وريحانٍ وربٍّ عنك راضٍ»١.

وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوالٍ للسلف:

أحدها: أنَّه عند الموت، وهو الأشهر. قال الحسن ﵁: إذا أراد الله قبضها اطمأنَّت إلى ربِّها ورضيت عن الله، فيرضى٢ عنها٣.

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٠٢) والطبراني في «الكبير» (١٣/ ٣٥٥ - ٣٥٨) والثعلبي في «الكشف والبيان» (٢٩/ ٣٦٥) من حديث عبد الرحمن ابن البيلماني عن عمرو بن العاص موقوفًا. وابن البيلماني ليّن الحديث. وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا عند النسائي (١٨٣٣) والبزار (٩٥٤١) وابن حبان (٣٠١٤) والطبراني في «الأوسط» (٧٤٢) والحاكم (١/ ٣٥٣) بإسناد جيِّد، ولفظه عند النسائي: «إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضيةً مرضيًّا عنك»، وعند البزار والطبراني زيادة: «أيتها النفس المطمئنة».
    وروي حديث أبي هريرة من وجهٍ آخر عند أحمد (٢٥٠٩٠) والنسائي في «الكبرى» (١١٣٧٨، ١١٩٢٥) وابن ماجه (٤٢٦٢) وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: «اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في جسد طيب، اخرجي حميدةً وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان»؛ وهو كما ترى ليس بصريحٍ في موضع الشاهد المفسِّر للآية. وكذلك حديث البراء الطويل عند أحمد (١٨٥٣٤) وابن أبي شيبة (١٢١٨٥) والحاكم (١٠٧ ــ ط. دار التأصيل) وغيرهم، فإن لفظه: «أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان».
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي مصادر التخريج: «ويرضى».
  3. (٣) أسنده ابن أبي حاتم في «تفسيره» ــ كما في «تغليق التعليق» (٤/ ٣٦٧) ــ بإسناد جيِّد. وقد علَّقه البخاري في كتاب التفسير من «صحيحه» مجزومًا به. والمؤلف صادر عن «معالم التنزيل» للبغوي (٨/ ٤٢٣)، وكذا في الأقوال الآتية.
488

وقال آخرون: إنَّما يقال لها ذلك عند البعث. هذا قول عكرمة وعطاءٍ والضحَّاك وجماعة١.

وقال آخرون: الكلمة الأولى وهي٢ ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ تقال لها عند الموت، والكلمة الثانية وهي ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ إنما تقال لها يوم القيامة. قال أبو صالحٍ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ هذا عند خروجها من الدُّنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل: ﴿الصَّرْحَ فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾٣.

والصواب: أنَّ هذا القول يقال لها عند الخروج من الدُّنيا ويوم القيامة٤. فإنَّ أوَّل بعثها عند مفارقتها الدُّنيا، وحينئذٍ فهي في الرفيق الأعلى ــ إن كانت مطمئنَّةً إلى الله ــ وفي جنَّته، كما دلَّ عليه الأحاديث الصحيحة. فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك، وحينئذٍ يكون تمام الرُّجوع إلى الله ودخول الجنَّة. فأوَّل ذلك عند الموت، وتمامه ونهايته يوم القيامة، فلا اختلاف في الحقيقة.

ولكنَّ الشيخ أخذ من إشارة الآية أنَّ رجوعها إلى الله من الخلق في هذا العالم إنَّما يحصل برضاها. ولكن لو استدلَّ بالآية في مقام الطُّمأنينة لكان

  1. (١) قول عكرمة والضحاك عند الطبري في «تفسيره» (٢٤/ ٣٩٧).
  2. (٢) الأصل، ل: «وهو».
  3. (٣) أخرجه الطبري (٢٤/ ٣٩٦، ٣٩٧) وابن أبي حاتم ــ كما في «الدر المنثور» (١٥/ ٤٢٩) ــ والثعلبي في «الكشف والبيان» (٢٩/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
  4. (٤) وهو قول زيد بن أسلم كما عند الطبري (٢٤/ ٣٩٦)، ولم يذكره البغوي.
489

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي