وقال آخرون: إنَّما يقال لها ذلك عند البعث. هذا قول عكرمة وعطاءٍ والضحَّاك وجماعة١.
وقال آخرون: الكلمة الأولى وهي٢﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ تقال لها عند الموت، والكلمة الثانية وهي ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ إنما تقال لها يوم القيامة. قال أبو صالحٍ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ هذا عند خروجها من الدُّنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل: ﴿الصَّرْحَ فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾٣.
والصواب: أنَّ هذا القول يقال لها عند الخروج من الدُّنيا ويوم القيامة٤. فإنَّ أوَّل بعثها عند مفارقتها الدُّنيا، وحينئذٍ فهي في الرفيق الأعلى ــ إن كانت مطمئنَّةً إلى الله ــ وفي جنَّته، كما دلَّ عليه الأحاديث الصحيحة. فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك، وحينئذٍ يكون تمام الرُّجوع إلى الله ودخول الجنَّة. فأوَّل ذلك عند الموت، وتمامه ونهايته يوم القيامة، فلا اختلاف في الحقيقة.
ولكنَّ الشيخ أخذ من إشارة الآية أنَّ رجوعها إلى الله من الخلق في هذا العالم إنَّما يحصل برضاها. ولكن لو استدلَّ بالآية في مقام الطُّمأنينة لكان
(١) قول عكرمة والضحاك عند الطبري في «تفسيره» (٢٤/ ٣٩٧).
(٢) الأصل، ل: «وهو».
(٣) أخرجه الطبري (٢٤/ ٣٩٦، ٣٩٧) وابن أبي حاتم ــ كما في «الدر المنثور» (١٥/ ٤٢٩) ــ والثعلبي في «الكشف والبيان» (٢٩/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
(٤) وهو قول زيد بن أسلم كما عند الطبري (٢٤/ ٣٩٦)، ولم يذكره البغوي.
أولى، فإنَّ هذا الرُّجوع الذي حصل لها١ فيه رضاها والرِّضا عنها إنَّما نالته بالطُّمأنينة، وهو حظُّ الكسب من هذه الآية، وموضع التَّنبيه على موقع الطُّمأنينة وما يحصل لصاحبها.
فلنرجع إلى شرح كلامه:
قوله: (الرِّضا هو الوقوف الصادق) يريد به الوقوف مع مراد الرب تعالى الديني حقيقةً، من غير تردُّدٍ في ذلك ولا معارضةٍ. وهذا مطلوب القوم السابقين، وهو الوقوف الصادق مع مراد الحق٢، من غير أن يشوب ذلك تردُّد، ولا يزاحمه٣ مراد.
قوله: (حيثما وقف العبد)، يصحُّ أن يكون العبد فاعلًا، أي حيث ما وقف بإذن ربِّه لا يلتمس تقدُّمًا ولا تأخُّرًا. ويصحُّ أن يكون مفعولًا، وهو أظهر، أي حيثما وقف الله العبدَ، فإنَّ (وقَفَ) يُستعمل لازمًا ومتعدِّيًا، أي حيثما وقفه الله يقف٤، أي لا يطلب تقدُّمًا ولا تأخُّرًا. وهذا إنَّما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلَّق بالأمر والنهي.
وأمَّا إذا وقفه في مرادٍ دينيٍّ، فكماله بطلب التقدُّم فيه دائمًا، فإن٥ لم تكن همَّته التقدُّم إلى الله في كلِّ لحظةٍ رجع من حيث لا يدري، فلا وقوفَ في
(١) أي: للنفس. وفي النسخ عدا ش: «له»، سبق قلم.
(٢) ع: «مع محابِّ الربِّ تعالى».
(٣) ش: «مزاحمة».
(٤) السياق في ع: «أي حيثما وقفه ربُّه لا يطلب ...».