أولى، فإنَّ هذا الرُّجوع الذي حصل لها١ فيه رضاها والرِّضا عنها إنَّما نالته بالطُّمأنينة، وهو حظُّ الكسب من هذه الآية، وموضع التَّنبيه على موقع الطُّمأنينة وما يحصل لصاحبها.
فلنرجع إلى شرح كلامه:
قوله: (الرِّضا هو الوقوف الصادق) يريد به الوقوف مع مراد الرب تعالى الديني حقيقةً، من غير تردُّدٍ في ذلك ولا معارضةٍ. وهذا مطلوب القوم السابقين، وهو الوقوف الصادق مع مراد الحق٢، من غير أن يشوب ذلك تردُّد، ولا يزاحمه٣ مراد.
قوله: (حيثما وقف العبد)، يصحُّ أن يكون العبد فاعلًا، أي حيث ما وقف بإذن ربِّه لا يلتمس تقدُّمًا ولا تأخُّرًا. ويصحُّ أن يكون مفعولًا، وهو أظهر، أي حيثما وقف الله العبدَ، فإنَّ (وقَفَ) يُستعمل لازمًا ومتعدِّيًا، أي حيثما وقفه الله يقف٤، أي لا يطلب تقدُّمًا ولا تأخُّرًا. وهذا إنَّما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلَّق بالأمر والنهي.
وأمَّا إذا وقفه في مرادٍ دينيٍّ، فكماله بطلب التقدُّم فيه دائمًا، فإن٥ لم تكن همَّته التقدُّم إلى الله في كلِّ لحظةٍ رجع من حيث لا يدري، فلا وقوفَ في
(١) أي: للنفس. وفي النسخ عدا ش: «له»، سبق قلم.
(٢) ع: «مع محابِّ الربِّ تعالى».
(٣) ش: «مزاحمة».
(٤) السياق في ع: «أي حيثما وقفه ربُّه لا يطلب ...».
(٥) ع: «فإنه إن».
الطريق١. ولكنه إذا وقفه في مقامٍ من الغنى والفقر، والراحة والتعب، والصحة٢ والسقم، والاستيطان أو مفارقة الأوطان= يقف حيث وقفه، فلا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه فيها. وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له، والفناء به عن اختياره لنفسه.
وكذلك قوله: (لا يستزيد مزيدًا، ولا يستبدل حالًا).
وهذا الذي ذكره الشيخ فردٌ من أفراد الرِّضا، وهو الرِّضا بالأقسام والأحكام الكونيَّة التي لم يؤمَر بمدافعتها.
وقوله: (وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص)، يعني أنَّ سلوك أهل الخصوص هو بالخروج عن النفس، والخروجُ عن الإرادة هو مبدأ الخروج عن النفس، فإذًا الرِّضا بهذا الاعتبار من أوائل مسالك الخاصَّة.
وهذا على أصله في كون الفناء غايةً مطلوبةً فوق الرِّضا. والصواب: أنَّ الرِّضا أجلُّ منه وأعلى، وهو غايةٌ لا بداية. نعم، فوقه مقام الشكر، فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر.
وقوله: (وأشقِّها على العامة)، وذلك لمشقَّة الخروج عن الحظوظ على العامَّة، والرِّضا أوَّل ما فيه: الخروجُ عن الحظوظ.