مدارج السالكين

الطريق١. ولكنه إذا وقفه في مقامٍ من الغنى والفقر، والراحة والتعب، والصحة٢ والسقم، والاستيطان أو مفارقة الأوطان= يقف حيث وقفه، فلا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه فيها. وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له، والفناء به عن اختياره لنفسه.

وكذلك قوله: (لا يستزيد مزيدًا، ولا يستبدل حالًا).

وهذا الذي ذكره الشيخ فردٌ من أفراد الرِّضا، وهو الرِّضا بالأقسام والأحكام الكونيَّة التي لم يؤمَر بمدافعتها.

وقوله: (وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص)، يعني أنَّ سلوك أهل الخصوص هو بالخروج عن النفس، والخروجُ عن الإرادة هو مبدأ الخروج عن النفس، فإذًا الرِّضا بهذا الاعتبار من أوائل مسالك الخاصَّة.

وهذا على أصله في كون الفناء غايةً مطلوبةً فوق الرِّضا. والصواب: أنَّ الرِّضا أجلُّ منه وأعلى، وهو غايةٌ لا بداية. نعم، فوقه مقام الشكر، فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر.

وقوله: (وأشقِّها على العامة)، وذلك لمشقَّة الخروج عن الحظوظ على العامَّة، والرِّضا أوَّل ما فيه: الخروجُ عن الحظوظ.

  1. (١) زاد في ع: «البتة».
  2. (٢) ع: «والعافية».
491

فصل

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: رضا العامَّة، وهو الرِّضا بالله ربًّا، وتسخُّطُ عبادة ما دونه. وهذا قطب رحى الإسلام، وهو يطهِّر من الشِّرك الأكبر).

الرِّضا بالله ربًّا: أن لا يتَّخذ ربًّا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه. قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: سيِّدًا وإلهًا٢، يعني فكيف أطلب ربًّا غيره وهو ربُّ كلِّ شيءٍ؟

وقال في أوّل السُّورة: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] يعني معبودًا وناصرًا ومعينًا وملجًا، وهو من الموالاة التي تتضمَّن الحبَّ والطاعة.

وقال في وسطها: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤] أي: أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه؟ وهذا كتابه سيِّد الحكّام، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه، وقد أنزله مفصَّلًا مبيَّنًا كافيًا شافيًا؟

وأنت إذا تأمَّلت هذه الآيات الثلاث حقَّ التأمُّل، رأيتها هي نفس الرِّضا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، ورأيت الحديث مترجم عنها

  1. (١) «المنازل» (ص ٤٠).
  2. (٢) «تفسير البغوي» (٣/ ٢١٢).
492

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي