مدارج السالكين

مشتقٌّ منها١. فكثيرٌ من الناس يرضى به ربًّا فلا يبغي ربًّا سواه، لكنَّه لا يرضى به وحده وليًّا، بل يوالي من دونه أولياء ظنًّا منه أنَّهم يقرِّبونه إلى الله، وأنَّ موالاتهم كموالاة خواصِّ الملك، وهذا عين الشِّرك. بل التوحيد: أن لا يتَّخذ من دونه أولياء، والقرآن مملوءٌ من وصف المشركين بأنَّهم اتخذوا من دونه أولياء.

وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه، فإنَّ هذا من تمام الإيمان وتمام موالاته، فموالاة أوليائه لونٌ واتِّخاذ الوليِّ من دونه لون. ومَن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من رأس، فإنَّ هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه.

وكثيرٌ من الناس يبتغي غيره حكمًا؛ يُحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه. وهذه المقامات الثلاثة هي أركان التوحيد: أن لا يتَّخذ سواه ربًّا، ولا إلهًا، ولا غيره حكمًا.

وتفسيره٢ الرِّضا بالله ربًّا (أن يسخط عبادة ما دونه)، هذا هو الرِّضا بالله إلهًا، وهو من تمام الرِّضا بالله ربًّا، فمن أعطى الرِّضا به ربًّا حقَّه سخط عبادة ما دونه قطعًا، لأنَّ الرِّضا بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته، كما أنَّ العلم بتوحيد الرُّبوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهيَّة.

وقوله: (وهو قطب رحى الإسلام)، يعني أنَّ مدار رحى الإسلام على أن يرضى بعبادته وحده، ويسخط عبادة غيره. وقد تقدَّم أنَّ العبادة هي الحبُّ

  1. (١) «مترجم ... مشتق» كذا في النسخ، والوجه النصب.
  2. (٢) هاء الضمير ساقطة من ج، ن، وممسوحة في ل.
493

مع الذُّلِّ، فكلُّ من ذَلَلْتَ له وأطعتَه وأحببتَه دون الله فأنت عبدٌ له.

وقوله: (وهو يطهِّر من الشِّرك الأكبر)، يعني أنَّ الشِّرك نوعان: أكبر وأصغر، فهذا الرِّضا يطهِّر صاحبه من الأكبر. وأمَّا الأصغر، فيطهِّره نزوله منزلة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

فصل

قال١: (وهو يصحُّ بثلاثة شروطٍ: أن يكون الله ﷿ أحبَّ الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة).

يعني أنَّ هذا النوع من الرِّضا إنَّما يصحُّ بثلاثة أشياء أيضًا:

أحدها: أن يكون الله ﷿ أحبَّ شيءٍ إلى العبد. وهذه تُعرف بثلاثة أشياء أيضًا:

أحدها: أن تسبق محبَّتُه إلى القلب كلَّ محبَّةٍ، فتتقدَّم محبَّتُه المحابَّ كلَّها.

الثاني: أن تقهر محبَّته كلَّ محبةٍ، فتكون محبَّة٢ غيرِه مقهورةً مغلوبةً منطويةً في محبَّته.

الثّالث: أن تكون محبَّة٣ غيره تابعةً لمحبَّته، فيكون هو المحبوبَ بالذات والقصد الأول، وغيره محبوبًا تبعًا لحبِّه، كما يطاع تبعًا لطاعته؛ فهو

  1. (١) «المنازل» (ص ٤٠).
  2. (٢) الأصل: «محبته»، ولعل المثبت من سائر النسخ أولى.
  3. (٣) «فتكون محبة غيره ...» إلى هنا ساقط من ع لانتقال النظر.
494

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي