مدارج السالكين

مع الذُّلِّ، فكلُّ من ذَلَلْتَ له وأطعتَه وأحببتَه دون الله فأنت عبدٌ له.

وقوله: (وهو يطهِّر من الشِّرك الأكبر)، يعني أنَّ الشِّرك نوعان: أكبر وأصغر، فهذا الرِّضا يطهِّر صاحبه من الأكبر. وأمَّا الأصغر، فيطهِّره نزوله منزلة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

فصل

قال١: (وهو يصحُّ بثلاثة شروطٍ: أن يكون الله ﷿ أحبَّ الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة).

يعني أنَّ هذا النوع من الرِّضا إنَّما يصحُّ بثلاثة أشياء أيضًا:

أحدها: أن يكون الله ﷿ أحبَّ شيءٍ إلى العبد. وهذه تُعرف بثلاثة أشياء أيضًا:

أحدها: أن تسبق محبَّتُه إلى القلب كلَّ محبَّةٍ، فتتقدَّم محبَّتُه المحابَّ كلَّها.

الثاني: أن تقهر محبَّته كلَّ محبةٍ، فتكون محبَّة٢ غيرِه مقهورةً مغلوبةً منطويةً في محبَّته.

الثّالث: أن تكون محبَّة٣ غيره تابعةً لمحبَّته، فيكون هو المحبوبَ بالذات والقصد الأول، وغيره محبوبًا تبعًا لحبِّه، كما يطاع تبعًا لطاعته؛ فهو

  1. (١) «المنازل» (ص ٤٠).
  2. (٢) الأصل: «محبته»، ولعل المثبت من سائر النسخ أولى.
  3. (٣) «فتكون محبة غيره ...» إلى هنا ساقط من ع لانتقال النظر.
494

في الحقيقة المطاع المحبوب.

وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتّعظيم والطّاعة أيضًا.

فالحاصل: أن يكون وحدَه المحبوبَ المعظَّم المطاع، فمن لم يحبَّه ولم يعظِّمه ولم يطعه فهو متكبِّرٌ عليه. ومتى أحبَّ معه سواه، وعظَّم معه سواه، وأطاع معه سواه= فهو مشركٌ. ومتى أفرده وحده بالحبِّ والتعظيم والطاعة فهو عبدٌ موحِّد.

فصل

قال١: (الدرجة الثانية: الرِّضا عن الله. وبهذا الرضا نطقت آيات التنزيل، وهو الرِّضا عنه في كلِّ ما قضى وقدَّر. وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص).

الشيخ جعل هذه الدرجة أعلى من الدرجة التي قبلها، ووجه قوله أنَّه لا يدخل في الإسلام إلا بالدرجة الأولى، فإذا استقرَّ قدمه عليها دخل في مقام الإسلام. وأمَّا هذه الدرجة، فمن معاملات القلوب، وهي لأهل الخصوص، وهي الرِّضا عنه في أحكامه وأقضيته.

وإنَّما كان من أوَّل مسالك أهل الخصوص لأنَّه مقدِّمةٌ للخروج عن النفس، والذي هو طريق أهل الخصوص، فمقدِّمته بداية سلوكهم، لأنَّه يتضمَّن خروج العبد عن حظوظه، ووقوفَه مع مراد الله، لا مع مراد نفسه.

هذا تقرير كلامه. وفي جعله هذه الدرجةَ أعلى من التي قبلها نظرٌ لا

  1. (١) «المنازل» (ص ٤٠).
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي