مدارج السالكين

في الحقيقة المطاع المحبوب.

وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتّعظيم والطّاعة أيضًا.

فالحاصل: أن يكون وحدَه المحبوبَ المعظَّم المطاع، فمن لم يحبَّه ولم يعظِّمه ولم يطعه فهو متكبِّرٌ عليه. ومتى أحبَّ معه سواه، وعظَّم معه سواه، وأطاع معه سواه= فهو مشركٌ. ومتى أفرده وحده بالحبِّ والتعظيم والطاعة فهو عبدٌ موحِّد.

فصل

قال١: (الدرجة الثانية: الرِّضا عن الله. وبهذا الرضا نطقت آيات التنزيل، وهو الرِّضا عنه في كلِّ ما قضى وقدَّر. وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص).

الشيخ جعل هذه الدرجة أعلى من الدرجة التي قبلها، ووجه قوله أنَّه لا يدخل في الإسلام إلا بالدرجة الأولى، فإذا استقرَّ قدمه عليها دخل في مقام الإسلام. وأمَّا هذه الدرجة، فمن معاملات القلوب، وهي لأهل الخصوص، وهي الرِّضا عنه في أحكامه وأقضيته.

وإنَّما كان من أوَّل مسالك أهل الخصوص لأنَّه مقدِّمةٌ للخروج عن النفس، والذي هو طريق أهل الخصوص، فمقدِّمته بداية سلوكهم، لأنَّه يتضمَّن خروج العبد عن حظوظه، ووقوفَه مع مراد الله، لا مع مراد نفسه.

هذا تقرير كلامه. وفي جعله هذه الدرجةَ أعلى من التي قبلها نظرٌ لا

  1. (١) «المنازل» (ص ٤٠).
495

يخفى، وهو نظير جعله الصبر بالله أعلى من الصبر لله. والذي ينبغي: أن تكون الدرجة الأولى أعلى شأنًا وأرفع قدرًا، فإنَّها مختصَّةٌ وهذه الدرجة مشتركة، فإنَّ الرِّضا بالقضاء يصحُّ من المؤمن والكافر، وغايته التسليم لقضاء الله وقدره، فأين هذا من الرِّضا به ربًّا وإلهًا ومعبودًا وحكمًا؟

وأيضًا١: فالرِّضا به ربًّا فرض، بل هو من آكد الفروض باتِّفاق الأمَّة، فمن لم يرض به ربًّا، لم يصحَّ له إسلامٌ ولا عمل٢. وأمَّا الرِّضا بقضائه، فأكثر الناس على أنَّه مستحبٌّ وليس بواجبٍ، وقيل: بل هو واجب، وهما قولان في مذهب أحمد٣.

فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والنفل٤. وفي الحديث الإلهيِّ الصحيح يقول الله ﷿: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه»٥، فدلَّ على أنَّ التقرُّب إليه سبحانه بأداء الفرض٦ أفضل وأعلى من التقرُّب إليه بالنوافل.

وأيضًا: فإنَّ الرِّضا به ربًّا يتضمَّن الرِّضا عنه ويستلزمه، فإنَّ الرِّضا بربوبيته هو رضا العبد بما يأمره به وينهاه عنه، ويقسمه له ويقدِّره عليه، ويعطيه إيَّاه ويمنعه منه. فمتى لم يرض بذلك كلِّه لم يكن قد رضي به ربًّا من

  1. (١) «وأيضًا» من ع، والسياق يقتضيه.
  2. (٢) زيد في ع: «ولا حال».
  3. (٣) انظر ما سبق (ص ٤٧٧).
  4. (٤) ع: «الندب».
  5. (٥) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).
  6. (٦) ع: «فرائضه».
496

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي