مدارج السالكين

يخفى، وهو نظير جعله الصبر بالله أعلى من الصبر لله. والذي ينبغي: أن تكون الدرجة الأولى أعلى شأنًا وأرفع قدرًا، فإنَّها مختصَّةٌ وهذه الدرجة مشتركة، فإنَّ الرِّضا بالقضاء يصحُّ من المؤمن والكافر، وغايته التسليم لقضاء الله وقدره، فأين هذا من الرِّضا به ربًّا وإلهًا ومعبودًا وحكمًا؟

وأيضًا١: فالرِّضا به ربًّا فرض، بل هو من آكد الفروض باتِّفاق الأمَّة، فمن لم يرض به ربًّا، لم يصحَّ له إسلامٌ ولا عمل٢. وأمَّا الرِّضا بقضائه، فأكثر الناس على أنَّه مستحبٌّ وليس بواجبٍ، وقيل: بل هو واجب، وهما قولان في مذهب أحمد٣.

فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والنفل٤. وفي الحديث الإلهيِّ الصحيح يقول الله ﷿: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه»٥، فدلَّ على أنَّ التقرُّب إليه سبحانه بأداء الفرض٦ أفضل وأعلى من التقرُّب إليه بالنوافل.

وأيضًا: فإنَّ الرِّضا به ربًّا يتضمَّن الرِّضا عنه ويستلزمه، فإنَّ الرِّضا بربوبيته هو رضا العبد بما يأمره به وينهاه عنه، ويقسمه له ويقدِّره عليه، ويعطيه إيَّاه ويمنعه منه. فمتى لم يرض بذلك كلِّه لم يكن قد رضي به ربًّا من

  1. (١) «وأيضًا» من ع، والسياق يقتضيه.
  2. (٢) زيد في ع: «ولا حال».
  3. (٣) انظر ما سبق (ص ٤٧٧).
  4. (٤) ع: «الندب».
  5. (٥) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).
  6. (٦) ع: «فرائضه».
496

جميع الوجوه وإن كان راضيًا به ربًّا من بعضها. فالرِّضا به ربًّا من كلِّ وجهٍ يستلزم الرِّضا عنه ويتضمَّنه بلا ريبٍ.

وأيضًا: فالرِّضا به ربًّا يتعلَّق١ بذاته وصفاته وأسمائه وربوبيَّته العامَّة والخاصَّة، فهو الرِّضا به خالقًا ومدبِّرًا، وآمرًا وناهيًا وملكًا، ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا ووكيلًا ووليًّا، وناصرًا ومعينًا، وكافيًا وحسيبًا، ورقيبًا ومبتليًا ومعافيًا، وقابضًا وباسطًا، إلى غير ذلك من صفات ربوبيته. وأمَّا الرِّضا عنه، فهو رضا العبد بما يفعله به ويعطيه إيَّاه. ولهذا إنما جاء٢ في الثواب والجزاء، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] فهذا رضاها عنه بما حصل لها من كرامته، وكقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨].

فالرِّضا به أصلٌ للرِّضا عنه، والرِّضا عنه ثمرة الرِّضا به. وسرُّ المسألة: أنّ الرِّضا به متعلِّق بأسمائه وصفاته، والرِّضا عنه متعلِّق بثوابه وجزائه.

وأيضًا: فإنَّ النبي ﷺ علَّق ذوق طعم الإيمان بمن رضي به ربًّا، ولم يعلِّقه بمن رضي عنه، كما قال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا»٣، فجعل الرِّضا به قرين الرِّضا بدينه ونبيِّه. وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلَّا بها.

  1. (١) ع: «متعلق».
  2. (٢) ع: «ولهذا لم يجئ إلا».
  3. (٣) أخرجه مسلم (٣٤) من حديث العباس.
497

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي