مدارج السالكين

الرحى التي تدور عليه١، فيخرج حينئذٍ من دائرة الشِّرك إلى دائرة الإسلام، فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم.

وأيضًا: فإنَّه جعل حصول هذه الدرجة من الرِّضا موقوفًا على كون المرضيِّ به ربًّا ــ سبحانه ــ أحبَّ إلى العبد من كلِّ شيءٍ، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة؛ ومعلومٌ أنَّ هذا يجمع قواعد العبوديَّة وينتظم٢ فروعَها وشُعَبَها.

ولمَّا كانت المحبَّة التامَّة ميل القلب بكلِّيَّته إلى المحبوب، كان ذلك الميل حاملًا على طاعته وتعظيمه. وكلَّما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتمَّ والتعظيمُ أوفر. وهذا الميل يلازم الإيمان، بل هو روح الإيمان ولبُّه. فأيُّ شيءٍ يكون أعلى من أمرٍ يتضمَّن أن يكون الله سبحانه أحبَّ الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة؟

وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان، كما في «الصحيح»٣ عنه ﷺ أنَّه قال: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما، ومن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلَّا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار».

فعلَّق ذوق الإيمان بالرِّضا بالله ربًّا، وعلَّق وَجْد حلاوته بما هو موقوفٌ عليه ولا يتمُّ إلَّا به، وهو كونه سبحانه أحبَّ الأشياء إلى العبد هو ورسولُه.

  1. (١) ع: «ثبتت له الرحى ودارت على ذلك القطب».
  2. (٢) ش، ن: «تنتظم»، وعليه فيرتفع ما بعده.
  3. (٣) للبخاري (٢١) ومسلم (٤٣) من حديث أنس.
499

ولمَّا كان هذا الحبُّ التامُّ والإخلاصُ الذي هو ثمرته أعلى من مجرَّد الرِّضا بربوبيَّته سبحانه= كانت ثمرته أعلى، وهي وجدُ حلاوة الإيمان، وثمرةُ الرِّضا: ذوق طعم الإيمان؛ فهذا وجدٌ لحلاوةٍ١ وذلك ذوقٌ لطعمٍ٢. والله المستعان.

وإنَّما ترتَّب هذا وهذا على الرِّضا به وحده ربًّا، والبراءةِ من عبوديَّة ما سواه، وميلِ القلب بكلِّيَّته إليه، وانجذابِ قوى الحبِّ كلِّها إليه؛ ورضاه عن ربِّه تابعٌ لهذا الرِّضا.

فمن رضي بالله ربًّا رضيه الله له عبدًا، ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته= لم ينل بذلك درجة رضا الربِّ عنه إن لم يرض به ربًّا وبنبيِّه رسولًا وبالإسلام دينًا، فإنَّ العبد قد يرضى عن الله فيما أعطاه ومنعه ولم يرضَ به وحدَه معبودًا وإلهًا. ولهذا إنَّما ضَمِن رضا العبد يوم القيامة لمن رضي به ربًّا، كما قال ﷺ: «من قال كلَّ يومٍ: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ نبيًّا: إلا كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة»٣.

  1. (١) ع: «وجدُ حلاوةٍ».
  2. (٢) ع: «ذوقُ طعمٍ».
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٨٩٦٧) وابن ماجه (٣٨٧٠) والحاكم (١/ ٥١٨) من حديث خادم النبي ﷺ بلفظ: «ما من عبد مسلم يقول حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات: رضيت بالله ربًّا ...» إلخ بمثله. وفي إسناده لين لجهالة أحد رواته. وله شاهد من حديث ثوبان عند الترمذي (٣٣٨٩) وغيره بإسناده ضعيف.
    وصحَّ في الباب حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم (١٨٨٤) بلفظ: «من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا= وجبت له الجنة». وهو عند أبي داود (١٥٢٩) وغيره بلفظ: «من قال: رضيت بالله ربًّا ...» إلخ.
500

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي