مدارج السالكين

ولمَّا كان هذا الحبُّ التامُّ والإخلاصُ الذي هو ثمرته أعلى من مجرَّد الرِّضا بربوبيَّته سبحانه= كانت ثمرته أعلى، وهي وجدُ حلاوة الإيمان، وثمرةُ الرِّضا: ذوق طعم الإيمان؛ فهذا وجدٌ لحلاوةٍ١ وذلك ذوقٌ لطعمٍ٢. والله المستعان.

وإنَّما ترتَّب هذا وهذا على الرِّضا به وحده ربًّا، والبراءةِ من عبوديَّة ما سواه، وميلِ القلب بكلِّيَّته إليه، وانجذابِ قوى الحبِّ كلِّها إليه؛ ورضاه عن ربِّه تابعٌ لهذا الرِّضا.

فمن رضي بالله ربًّا رضيه الله له عبدًا، ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته= لم ينل بذلك درجة رضا الربِّ عنه إن لم يرض به ربًّا وبنبيِّه رسولًا وبالإسلام دينًا، فإنَّ العبد قد يرضى عن الله فيما أعطاه ومنعه ولم يرضَ به وحدَه معبودًا وإلهًا. ولهذا إنَّما ضَمِن رضا العبد يوم القيامة لمن رضي به ربًّا، كما قال ﷺ: «من قال كلَّ يومٍ: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ نبيًّا: إلا كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة»٣.

  1. (١) ع: «وجدُ حلاوةٍ».
  2. (٢) ع: «ذوقُ طعمٍ».
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٨٩٦٧) وابن ماجه (٣٨٧٠) والحاكم (١/ ٥١٨) من حديث خادم النبي ﷺ بلفظ: «ما من عبد مسلم يقول حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات: رضيت بالله ربًّا ...» إلخ بمثله. وفي إسناده لين لجهالة أحد رواته. وله شاهد من حديث ثوبان عند الترمذي (٣٣٨٩) وغيره بإسناده ضعيف.
    وصحَّ في الباب حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم (١٨٨٤) بلفظ: «من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا= وجبت له الجنة». وهو عند أبي داود (١٥٢٩) وغيره بلفظ: «من قال: رضيت بالله ربًّا ...» إلخ.
500

فصل

إذا عرف هذا فلنرجع إلى شرح كلامه.

قال: (وبهذا الرِّضا نطق التنزيل)، يشير إلى قوله ﷿: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].

وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ٧ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧ - ٨].

فتضمَّنت هذه الآيات جزاءهم على صدقهم وإيمانهم، وأعمالهم الصالحة، ومجاهدة أعدائه وعدم ولايتهم= بأن ﵃، فأرضاهم فرضوا عنه. وإنَّما حصل لهم هذا بعد الرِّضا به ربًّا، وبمحمَّدٍ نبيًّا، وبالإسلام دينًا.

وقوله: (وهو الرِّضا عنه في كلِّ ما قضى)، هاهنا ثلاثة أمورٍ: الرِّضاء بالله، والرِّضا عن الله، والرِّضا بقضاء الله.

فالرِّضا به فرضٌ، والرِّضا عنه وإن كان من أجلِّ الأمور وأشرف أنواع العبوديَّة فلم يطالب به العموم، لعجزهم عنه ومشقّته عليهم. وأوجبته طائفةٌ

501

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي