مدارج السالكين

كما أوجبوا الرِّضا به، واحتجُّوا بحججٍ، منها:

أنَّه إذا لم يكن راضيًا عن ربِّه فهو ساخطٌ عليه، إذ لا واسطة بين الرِّضا والسّخط، وسخط العبد على ربِّه منافٍ لرضاه به ربًّا.

قالوا: وأيضًا فعدم رضاه عنه يستلزم سوء ظنِّه به ومنازعته في اختياره لعبده، وأنَّ الرب تعالى يختار شيئًا ويرضاه فلا يختاره العبد ولا يرضى به، وهذا منافٍ للعبوديَّة.

قالوا: وفي بعض الآثار الإلهيَّة: «من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي، فليتَّخذ ربًّا سواي»١.

ولا حجَّة في شيءٍ من ذلك.

أمَّا قولهم: إنَّه لا يتخلَّص من السخط على ربِّه إلا بالرِّضا عنه، إذ لا واسطة بين الرِّضا والسخط= فكلامٌ مدخول، لأنَّ السخط بالمقضيِّ لا يستلزم السخط على من قضاه، كما أنَّ كراهة المقضيِّ وبغضَه والنفرةَ عنه لا يستلزم تعلُّق ذلك بالذي قضاه وقدَّره. فالمقضيُّ قد يسخطه العبد وهو راضٍ عمَّن قدَّره وقضاه، بل يجتمع تسخُّطه والرِّضا بنفس القضاء، كما سيأتي.

وأمَّا قولكم إنَّه يستلزم سوء ظنِّ العبد بربِّه ومنازعته له في اختياره، فليس كذلك. بل هو حَسَن الظنِّ بربِّه في الحالتين، فإنَّه إنَّما يسخط المقدور وينازعه بمقدورٍ آخر، كما ينازع القدر الذي يكرهه ربُّه بالقدر الذي يحبُّه ويرضاه، فينازع قدر الله بقدر الله بالله ولله، كما يستعيذ برضاه من سخطه،

  1. (١) هو حديث واهٍ بمرَّة، وقد سبق (ص ٤٧٧).
502

وبمعافاته من عقوبته، ويستعيذ به منه١.

فأمّا كونه يختار لنفسه خلاف ما يختاره الرّبُّ، فهذا موضع تفصيلٍ، لا يسحب عليه ذيل النفي والإثبات، فاختيار الربِّ لعبده نوعان:

اختيارٌ دينيٌّ شرعيٌّ، فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيِّده. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فاختيار العبد خلاف ذلك منافٍ لإيمانه وتسليمه، ورضاه بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا.

النوع الثاني: اختيارٌ كونيٌّ قدريٌّ لا يسخطه الربُّ، كالمصائب التي٢ يبتلي عبده بها. فهذا لا يضرُّه فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه٣ ويكشفها. وليس في ذلك منازعةٌ للرُّبوبية، وإن كان فيه منازعته٤ للقدر بالقدر. فهذا تارةً يكون واجبًا، وتارةً يكون مستحبًّا، وتارةً يكون مباحًا مستويَ الطرفين، وتارةً يكون حرامًا، وتارةً يكون مكروهًا.

وأمَّا القَدَر الذي لا يحبُّه ولا يرضاه، مثل قدر المعائب والذُّنوب، فالعبد مأمورٌ بسخطه، ومنهيٌّ عن الرِّضا به٥.

  1. (١) يشير إلى دعاء النبي ﷺ: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك». أخرجه مسلم (٤٨٦)، وقد سبق أن ذكره المؤلف (١/ ٣٩٦) وشرحه.
  2. (٢) في النسخ عدا ش، ع: «الذي».
  3. (٣) زاد في ع: «ويدفعها».
  4. (٤) في النسخ عدا الأصل، ل: «منازعة».
  5. (٥) ع: «بسخطها ... الرضا بها».
503

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي