مدارج السالكين

وهذا هو التفصيل الواجب في الرِّضا بالقضاء.

وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابًا عظيمًا، ونجا منه أصحاب الفَرْق والتفصيل. فإنَّ لفظ الرِّضا بالقضاء لفظٌ محمودٌ مأمورٌ به، وهو من مقامات الصِّدِّيقين، فصار له حرمةٌ أوجبت لطائفةٍ قبوله من غير تفصيلٍ، وظنُّوا أنَّ كلَّ ما كان مقضيًّا للرب تعالى مخلوقًا له ينبغي الرِّضا به، ثمَّ انقسموا فرقتين:

فقالت فرقةٌ: إذا كان القضاء والرِّضا متلازمين، فمعلوم أنَّا مأمورون ببغض المعاصي والكفر والظُّلم، فلا تكون مقضيَّةً مقدَّرةً.

وفرقةٌ قالت: قد دلَّ العقل والشرع على أنَّها واقعةٌ بقضاء الله وقدره، فنحن نرضى بها.

والطائفتان منحرفتان، جائرتان عن قصد السبيل. أولئك أخرجوها عن قضاء الربِّ وقدره، وهؤلاء رضُوا بها ولم يسخطوها. هؤلاء١ خالفوا الربَّ تعالى في رضاه وسخطه وخرجوا عن شرعه ودينه، وأولئك أنكروا تعلُّق٢ قضائه وقدره بها.

واختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين.

فقالت طائفةٌ: لم يقم دليلٌ من الكتاب ولا السُّنّة ولا الإجماع على جواز الرِّضا بكلِّ قضاءٍ، فضلًا عن وجوبه واستحبابه، فأين أمَرَ الله عباده أو رسولُه أن يرضَوا بكلِّ ما قضاه الله وقدَّره؟

  1. (١) ل، ش: «وهؤلاء».
  2. (٢) ش: «نفاذ»، وأخشى أنه كان كذلك في الأصل ثم غُيِّر.
504

وهذه طريقة كثيرٍ من أصحابنا وغيرهم. وبه أجاب القاضي أبو يعلى وابن الباقلَّاني، قال١: «فإن قيل: أفترضون بقضاء الله وقدره؟ قيل له: نرضى بقضاء الله ــ الذي هو خَلْقه ــ الذي أمَرَنا أن نرضى به، ولا نرضى من ذلك ما نهانا٢ أن نرضى به. ولا نتقدَّم بين يدي الله، ولا نعترض على حكمه».

وقالت طائفةٌ أخرى: نُطلق الرِّضا بالقضاء في الجملة دون تفاصيل المقضيِّ المقدَّر، فنقول: نرضى بقضاء الله جملةً ولا نسخطه، ولا نطلق الرِّضا على كلِّ واحدٍ من تفاصيل المقضيِّ. كما يقول المسلمون: كلُّ شيءٍ يبيد ويهلك، ولا يقولون: حجج الله تبيد وتهلك؛ ويقولون: الله ربُّ كلِّ شيءٍ، ولا يضيفون ربوبيَّته إلى الأعيان المستخبثة المستقذرة بخصوصها٣.

وقالت طائفة أخرى: نرضى بها من جهة إضافتها إلى الربِّ خلقًا ومشيئتها، ونسخطها من جهة إضافتها إلى العبد كسبًا٤ وقيامًا به.

وقالت طائفة أخرى: بل نرضى بالقضاء ونسخط المقضيَّ، فالرِّضا والسخط لم يتعلَّقا بشيءٍ واحدٍ٥.

وهذه الأجوبة لا يتمشَّى شيءٌ منها على أصول من يجعل محبَّة الربِّ

  1. (١) أي ابن الباقلاني في «تمهيد الأوائل» (ص ٣٦٨).
  2. (٢) في ع زيادة: «عنه»، وليست في المصدر.
  3. (٣) وهذا الجواب أيضًا لابن الباقلاني في «التمهيد» (ص ٣٦٩)، نقله المؤلف بشيء من التصرف.
  4. (٤) ع: «كسبًا له».
  5. (٥) بنحوه أجاب أبو الحسن الأشعري، كما في «مقالاته» لابن فورك (ص ٩٩ - ١٠٠).
505

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي