مدارج السالكين

وهذه طريقة كثيرٍ من أصحابنا وغيرهم. وبه أجاب القاضي أبو يعلى وابن الباقلَّاني، قال١: «فإن قيل: أفترضون بقضاء الله وقدره؟ قيل له: نرضى بقضاء الله ــ الذي هو خَلْقه ــ الذي أمَرَنا أن نرضى به، ولا نرضى من ذلك ما نهانا٢ أن نرضى به. ولا نتقدَّم بين يدي الله، ولا نعترض على حكمه».

وقالت طائفةٌ أخرى: نُطلق الرِّضا بالقضاء في الجملة دون تفاصيل المقضيِّ المقدَّر، فنقول: نرضى بقضاء الله جملةً ولا نسخطه، ولا نطلق الرِّضا على كلِّ واحدٍ من تفاصيل المقضيِّ. كما يقول المسلمون: كلُّ شيءٍ يبيد ويهلك، ولا يقولون: حجج الله تبيد وتهلك؛ ويقولون: الله ربُّ كلِّ شيءٍ، ولا يضيفون ربوبيَّته إلى الأعيان المستخبثة المستقذرة بخصوصها٣.

وقالت طائفة أخرى: نرضى بها من جهة إضافتها إلى الربِّ خلقًا ومشيئتها، ونسخطها من جهة إضافتها إلى العبد كسبًا٤ وقيامًا به.

وقالت طائفة أخرى: بل نرضى بالقضاء ونسخط المقضيَّ، فالرِّضا والسخط لم يتعلَّقا بشيءٍ واحدٍ٥.

وهذه الأجوبة لا يتمشَّى شيءٌ منها على أصول من يجعل محبَّة الربِّ

  1. (١) أي ابن الباقلاني في «تمهيد الأوائل» (ص ٣٦٨).
  2. (٢) في ع زيادة: «عنه»، وليست في المصدر.
  3. (٣) وهذا الجواب أيضًا لابن الباقلاني في «التمهيد» (ص ٣٦٩)، نقله المؤلف بشيء من التصرف.
  4. (٤) ع: «كسبًا له».
  5. (٥) بنحوه أجاب أبو الحسن الأشعري، كما في «مقالاته» لابن فورك (ص ٩٩ - ١٠٠).
505

تعالى١ ورضاه ومشيئته واحدةً، كما هو أحد قولي الأشعريِّ، وأكثر أتباعه٢. فإنَّ هؤلاء يقولون: إنَّ كلَّ ما شاءه وقضاه فقد أحبَّه ورضيه. وإذا كان الكون محبوبًا له مرضيًّا، فنحن نحبُّ ما أحبَّه، ونرضى ما رضي به.

وقولكم: إنَّ الرِّضا بالقضاء يطلق جملةً ولا يطلق تفصيلًا= لا يخلِّص في هذا المقام، فإنه وإن لم يُطلَق تفصيلًا فذلك لا يمنع دخوله في جملة المرضيِّ به، فيعود الإشكال.

وقولكم: نرضى بها من جهة كونها خلقًا لله، وتُسخَط٣ من جهة كونها كسبًا للعبد= فكسب العبد إن كان أمرًا وجوديًّا فهو خلقٌ لله فيُرضى به، وإن كان أمرًا عدميًّا فلا حقيقة له تُرضى ولا تُسخَط٤.

وأمَّا قولكم: نرضى بالقضاء دون المقضيِّ، فهذا إنَّما يصحُّ على قول من جعل القضاء غير المقضيِّ والفعلَ غير المفعول، وأمَّا من لم يفرِّق بينهما فكيف يصحُّ هذا على أصله؟

وقد أورد القاضي أبو بكرٍ٥ على نفسه٦ هذا السُّؤال فقال: «فإن قيل:

  1. (١) في الأصل، ل، ش زيادة: «ومحبته»، تكرار لا وجه له.
  2. (٢) انظر: «مقالات الأشعري» (فصل في مذهبه في الإرادة ــ ص ٧٠ - ٨٠) و«الإنصاف» لابن الباقلاني (ص ٢٥،٣٨ - ٣٩، ٤٣)، و«الإرشاد» للجويني (ص ٢٣٩) و«أبكار الأفكار» للآمدي (١/ ٣٠٣).
  3. (٣) ع: «نسخطها».
  4. (٤) ل، ج، ن: «برضًا ولا بسخط».
  5. (٥) ابن الباقلاني في «التمهيد» (ص ٣٦٨). وانظر: «مقالات الأشعري» (ص ٩٩).
  6. (٦) ل، ج، ن: «تفسير»، تصحيف.
506

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي