مدارج السالكين

تعالى١ ورضاه ومشيئته واحدةً، كما هو أحد قولي الأشعريِّ، وأكثر أتباعه٢. فإنَّ هؤلاء يقولون: إنَّ كلَّ ما شاءه وقضاه فقد أحبَّه ورضيه. وإذا كان الكون محبوبًا له مرضيًّا، فنحن نحبُّ ما أحبَّه، ونرضى ما رضي به.

وقولكم: إنَّ الرِّضا بالقضاء يطلق جملةً ولا يطلق تفصيلًا= لا يخلِّص في هذا المقام، فإنه وإن لم يُطلَق تفصيلًا فذلك لا يمنع دخوله في جملة المرضيِّ به، فيعود الإشكال.

وقولكم: نرضى بها من جهة كونها خلقًا لله، وتُسخَط٣ من جهة كونها كسبًا للعبد= فكسب العبد إن كان أمرًا وجوديًّا فهو خلقٌ لله فيُرضى به، وإن كان أمرًا عدميًّا فلا حقيقة له تُرضى ولا تُسخَط٤.

وأمَّا قولكم: نرضى بالقضاء دون المقضيِّ، فهذا إنَّما يصحُّ على قول من جعل القضاء غير المقضيِّ والفعلَ غير المفعول، وأمَّا من لم يفرِّق بينهما فكيف يصحُّ هذا على أصله؟

وقد أورد القاضي أبو بكرٍ٥ على نفسه٦ هذا السُّؤال فقال: «فإن قيل:

  1. (١) في الأصل، ل، ش زيادة: «ومحبته»، تكرار لا وجه له.
  2. (٢) انظر: «مقالات الأشعري» (فصل في مذهبه في الإرادة ــ ص ٧٠ - ٨٠) و«الإنصاف» لابن الباقلاني (ص ٢٥،٣٨ - ٣٩، ٤٣)، و«الإرشاد» للجويني (ص ٢٣٩) و«أبكار الأفكار» للآمدي (١/ ٣٠٣).
  3. (٣) ع: «نسخطها».
  4. (٤) ل، ج، ن: «برضًا ولا بسخط».
  5. (٥) ابن الباقلاني في «التمهيد» (ص ٣٦٨). وانظر: «مقالات الأشعري» (ص ٩٩).
  6. (٦) ل، ج، ن: «تفسير»، تصحيف.
506

فالقضاء عندكم هو المقضيُّ أو غيره؟ قيل: هو على ضربين، فالقضاء بمعنى الخلق هو المقضيُّ، لأنَّ الخلق هو المخلوق. والقضاء الذي هو الإلزام والإعلام والكتابة غير المقضيِّ، لأنَّ الأمر غير المأمور، والخبرَ غير المخبر عنه».

وهذا الجواب لا يخلِّصه أيضًا، لأنَّ الكلام ليس في الإلزام والإعلام والكتابة، وإنَّما الكلام في نفس الفعل المقدَّر، المُعْلَم به، المكتوب: هل مقدِّره وكاتبه سبحانه راضٍ به أم لا؟ وهل العبد مأمورٌ بالرِّضا به نفسه أم لا؟ وهذا حرف المسألة.

وقد أنكر الله سبحانه على من جعل مشيئته وقضاءه مستلزمًا لمحبَّته ورضاه، فكيف بمن جعل ذلك شيئًا واحدًا؟! قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥].

وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠].

فهم استدلُّوا على محبَّته ورضاه لشركهم بمشيئته لذلك، وعارضوا بهذا الدليل أمره ونهيه. وفيه أبين الردِّ لقول من جعل مشيئته عين١ محبَّته ورضاه.

  1. (١) طبعة الفقي: «غير»، تحريف قلب المعنى وأفسده.
507

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي