مدارج السالكين

فالإشكال إنَّما نشأ من جعلهم المشيئة نفس المحبَّة، ثمَّ زاد بجعلهم١ الفعل نفس المفعول، والقضاءَ عينَ المقضيِّ. فنشأ من ذلك إلزامُهم بكونه تعالى راضيًا محبًّا لذلك، والتزامُ رضاهم به.

والذي يكشف هذه الغمَّة، ويبصِّر من هذه العماية، وينجي من هذه الورطة: التفريق بين ما فرَّق الله بينه وهو المشيئة والمحبَّة، فليسا واحدًا، ولا هما متلازمين، بل قد يشاء ما لا يحبُّه، ويحبُّ ما لا يشاء كونه.

فالأوَّل: كمشيئته لوجود إبليس وجنوده، ومشيئته العامَّة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه.

والثاني: كمحبَّته إيمانَ الكفار، وطاعاتِ الفجَّار، وعدلَ الظالمين، وتوبة الفاسقين. ولو شاء ذلك لوُجد كلُّه٢، فإنَّه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

فإذا تقرَّر هذا الأصل، وأنَّ الفعل غير المفعول، والقضاء غير المقضيِّ، وأنَّ الله سبحانه لم يأمر عباده بالرِّضا بكلِّ ما خلقه وشاءه= زالت الشُّبهات، وانحلَّت الإشكالات ولله الحمد، ولم يبق بين شرع الربِّ وقدره تناقضٌ بحيث يُظنُّ إبطال أحدهما للآخر. بل القدر ينصر الشرع، والشرع يصدِّق القدر، وكلٌّ منهما يحقِّق الآخر.

إذا عرف هذا، فالرِّضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس

  1. (١) ش: «زاده جعلُهم»، ع: «زادوه بجعلهم»، وكلاهما صواب أيضًا. والمثبت من ن. وفي سائر النسخ: «زاده بجعلهم»، خطأ.
  2. (٢) في ع زيادة: «وكان جميعُه».
508

الإسلام وقاعدة الإيمان. فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرجٍ ولا منازعة، ولا معارضةٍ ولا اعتراض. قال تعالى: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾ [النساء: ٦٥]، فأقسم أنَّهم لا يؤمنون حتَّى يحكِّموا رسوله، ويرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، ويسلِّموا لحكمه. وهذا حقيقة الرِّضا بحكمه، فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان.

ومتى خالط القلبَ بشاشةُ الإيمان، واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين، وحَيِيَ بروح الوحي، وتمهَّدت طبيعته، وانقلبت النفس الأمَّارة مطمئنَّةً ريِّضةً١ وادعةً، وتلقَّى أحكام الربِّ تعالى بصدرٍ واسعٍ منشرحٍ مسلِّمٍ= فقد رضي كلَّ الرِّضا بهذا القضاء الدينيِّ المحبوب لله ورسوله.

والرِّضا بالقضاء الكوني القدري الموافقِ لمحبَّة العبد وإرادته ورضاه، مِن الصحَّة والغنى والعافية واللذَّة= أمرٌ لازمٌ بمقتضى الطبيعة، فإنَّه ملائم للعبد محبوبٌ له. فليس في الرِّضا عبوديَّة٢، بل العبوديَّة في مقابلته بالشُّكر والاعترافِ بالمنَّة، ووضع النِّعمة مواضعها التي يحبُّ الله أن توضع فيها،

  1. (١) أي: مُرتاضةً ذَلولًا. هذا هو المراد هنا، وإلا فـ «الريِّض» من الدوابِّ في اللغة: ضد الذلول، وهو الصعب الذي لا يقبل الرياضة أو الذي لم يرتَضْ بعدُ. وانظر: «تصحيح التصحيف» للصفدي (ص ٢٩٢) و«تكملة المعاجم» لدوزي (٥/ ٢٥١).
  2. (٢) أي: لذاته، وإلا فمن حيث كونه باعثًا على الشكر الواجب، فهو واجب. وقد قال المؤلف في «شفاء العليل» (٢/ ٧٦٢): إنه يجب الرضا بالنعم لأنه «يجب شكرُها، ومن تمام شكرها الرضا بها».
509

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي