مدارج السالكين

وأن لا يُعصى المنعمُ بها.

والرِّضا بالقضاء الكوني القدريِّ الجاري على خلاف مراد العبد ومحبَّته ممَّا لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره= مستحبٌّ، وهو من مقامات الإيمان١، وفي وجوبه قولان. وهذا كالمرض والفقر، وأذى الخلق له، والحرِّ والبرد، والآلام ونحو ذلك.

والرِّضا بالقدر الجاري عليه باختياره ممَّا يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه كأنواع الظُّلم والفسوق والعصيان= حرامٌ يعاقَب عليه. وهو مخالفةٌ لربِّه تعالى، فإنَّ الله لا يرضى بذلك ولا يحبُّه، فكيف تتَّفق المحبَّة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه؟ فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرِّضا بالقضاء.

فإن قلت: كيف يريد الله سبحانه أمرًا لا يرضاه ولا يحبُّه؟ وكيف يشاؤه ويكوِّنه؟ وكيف تجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟

قيل: هذا السُّؤال هو الذي افترق الناس لأجله فِرَقًا، وتباينت عنه طرقهم وأقوالهم. فاعلم أنَّ المراد نوعان: مرادٌ لنفسه، ومرادٌ لغيره.

فالمراد لنفسه مطلوبٌ محبوبٌ لذاته وما فيه من الخير، فهو مرادٌ إرادةَ الغايات والمقاصد.

والمراد لغيره قد لا يكون في نفسه مقصودًا للمريد، ولا فيه مصلحةٌ له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلةً إلى مقصوده ومراده. فهو مكروهٌ له من حيث نفسه وذاته، مرادٌ له من حيث إفضائه٢ وإيصاله إلى مراده. فيجتمع فيه

  1. (١) ع: «مقامات أهل الإيمان».
  2. (٢) كذا في النسخ، والأفصح: «إفضاؤه» بالرفع.
510

الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلَّقهما. وهذا كالدواء المتناهي في الكراهة إذا عَلِم متناوِله أنَّ فيه شفاءه، وقطع١ العضو المُتأكِّل٢ إذا علم أنَّ في قطعه بقاءَ جسده، وكقطع المسافة الشاقَّة جدًّا إذا علم أنَّها توصل٣ إلى مراده ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظنِّ الغالب وإن خفيت عنه عاقبته وطويت عنه مغبَّته، فكيف بمن لا تخفى عليه العواقب؟ فهو سبحانه يكره الشيء ويبغضه في ذاته، ولا ينافي ذلك إرادته لغيره، وكونَه سببًا إلى أمرٍ هو أحبُّ إليه من فوته.

من ذلك: أنَّه سبحانه خلق إبليس الذي هو مادَّةٌ لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات. وهو سبب شقاوة العبيد وعملِهم بما يغضب الربَّ ﵎. وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبُّه الله ويرضاه بكلِّ طريقٍ وبكلِّ حيلة. فهو مسخوط للربِّ مبغوض، لعنه الله ومقته وغضب عليه. ومع هذا فهو وسيلةٌ إلى محابَّ كثيرةٍ للربِّ تعالى ترتَّبت على خلقه، وجودُها أحبُّ إليه من عدمها.

منها: أن يظهر للعباد قدرة الربِّ تعالى على خلق المتضادَّات المتقابلات، فخلَقَ هذه الذات التي هي من أخبث الذوات وشرِّها، وهي سبب كلِّ شرٍّ، في مقابلة ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادّة كلِّ خيرٍ؛ فتبارك خالقُ هذا وهذا.

  1. (١) ع: «وكقطع».
  2. (٢) ضبطه في ع: «المتآكل»، وهي عامِّية.
  3. (٣) ع: «توصله».
511

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي