مدارج السالكين

كما ظهرت١ قدرته التامَّة في خلق الليل والنهار، والضِّياء والظلام، والدَّاء والدَّواء، والحياة والموت، والحرِّ والبرد، والحسن والقبيح، والأرض والسماء، والماء والنار، والخير والشرِّ. وذلك من أدلِّ الدلائل على كمال قدرته وعزَّته وملكه وسلطانه، فإنَّه خلق هذه المتضادَّات وقابَلَ بعضها ببعضٍ وسلَّط بعضها على بعض، وجعلها محالَّ تصرُّفه وتدبيره وحكمته، فخلوُّ الوجود عن بعضها بالكليَّة تعطيلٌ لحكمته وكمالِ تصرُّفه وتدبير مملكته.

ومنها: ظهور آثار أسمائه القهريَّة، مثل القهَّار، والمنتقم، والعدل، والضارِّ، وشديد العقاب، وسريع العقاب٢، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذلِّ. فإنَّ هذه الأسماء والأفعال كمالٌ، فلا بدَّ من وجود متعلِّقها. ولو كان الخلق كلُّهم على طبيعة المَلَك لم يظهر أثر هذه الأسماء والأفعال.

ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمِّنة لحلمه وعفوه، ومغفرته وستره، وتجاوزه عن حقِّه، وعتقه لمن شاء من عبيده. فلولا خلقُ ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطَّلت هذه الحِكَم والفوائد. وقد أشار النبيُّ ﷺ إلى هذا بقوله: «لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم»٣.

  1. (١) في ع زيادة: «لهم».
  2. (٢) في طبعتي الفقي والصميعي: «سريع الحساب»، خلافًا للأصول، والمثبت منها لا غُبار علاه، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
  3. (٣) أخرجه مسلم (٢٧٤٩).
512

ومنها: ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنَّه الحكيمُ الخبيرُ الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله غير منزلته التي يقتضيها كمالُ علمه وحكمته وخبرته، فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل، ولا الفضل والعطاء موضع المنع والحرمان، ولا الثواب موضع العقاب، ولا العقاب موضع الثواب١، ولا الخفض موضع الرفع، ولا الرفع مكان الخفض، ولا العزَّ مكان الذلِّ، ولا الذلَّ٢ مكان العزِّ، ولا يأمر بما ينبغي النهيُ عنه، ولا ينهى عمَّا ينبغي الأمرُ به.

فهو أعلم حيث يجعل رسالاته٣، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه ووصولها٤، وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله، وأحكم من أن يمنعها أهلها ويضعَها عند غير أهلها.

فلو قدِّر عدم الأسباب المكروهة البغيضة٥ له لتعطَّلت هذه الآثار ولم تظهر لخلقه، ولفاتت الحكم والمصالح المترتِّبة عليها، وفواتُها شرٌّ من

  1. (١) «ولا العقاب موضع الثواب» سقط من ل، ولكن كتب «مـ» فوق كل من الثواب والعقاب من الجملة السابقة، ولعله إشارة إلى إعادة الجملة مع تقديم المؤخر وتأخير المقدَّم.
  2. (٢) الأصل، ل: «والذل»، سقطت «لا».
  3. (٣) هكذا بالجمع، وهو قراءة أبي عمرو في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. انظر: «النشر» (٢/ ٢٦٢).
  4. (٤) الأصل، ل، ش: «ووصوله»، ولعله سبق قلم.
  5. (٥) ش: «المبغوضة».
513

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي