مدارج السالكين

ومنها: ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنَّه الحكيمُ الخبيرُ الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله غير منزلته التي يقتضيها كمالُ علمه وحكمته وخبرته، فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل، ولا الفضل والعطاء موضع المنع والحرمان، ولا الثواب موضع العقاب، ولا العقاب موضع الثواب١، ولا الخفض موضع الرفع، ولا الرفع مكان الخفض، ولا العزَّ مكان الذلِّ، ولا الذلَّ٢ مكان العزِّ، ولا يأمر بما ينبغي النهيُ عنه، ولا ينهى عمَّا ينبغي الأمرُ به.

فهو أعلم حيث يجعل رسالاته٣، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه ووصولها٤، وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله، وأحكم من أن يمنعها أهلها ويضعَها عند غير أهلها.

فلو قدِّر عدم الأسباب المكروهة البغيضة٥ له لتعطَّلت هذه الآثار ولم تظهر لخلقه، ولفاتت الحكم والمصالح المترتِّبة عليها، وفواتُها شرٌّ من

  1. (١) «ولا العقاب موضع الثواب» سقط من ل، ولكن كتب «مـ» فوق كل من الثواب والعقاب من الجملة السابقة، ولعله إشارة إلى إعادة الجملة مع تقديم المؤخر وتأخير المقدَّم.
  2. (٢) الأصل، ل: «والذل»، سقطت «لا».
  3. (٣) هكذا بالجمع، وهو قراءة أبي عمرو في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. انظر: «النشر» (٢/ ٢٦٢).
  4. (٤) الأصل، ل، ش: «ووصوله»، ولعله سبق قلم.
  5. (٥) ش: «المبغوضة».
513

حصول تلك الأسباب. فلو عطِّلت تلك الأسباب لِما فيها من الشرِّ لتعطَّل الخير الذي هو أعظم من الشرِّ الذي في تلك الأسباب. وهذا كالشمس والمطر والرِّياح التي فيها من المصالح ما هو أضعافُ أضعافِ ما يحصل بها من الشرِّ١، فلو قدِّر تعطيلها لئلَّا يحصل منها ذلك الشرُّ الجزويُّ لتعطَّل من الخير ما هو أعظم من ذلك الشرِّ بما لا نسبة بينه وبينه.

فصل

ومنها: حصول العبوديَّة المتنوِّعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، ولكان الحاصل بعضَها لا كلَّها. فإنَّ عبوديَّة الجهاد من أحبِّ أنواع العبوديَّة إليه سبحانه. ولو كان الناس كلُّهم مؤمنين لتعطَّلت هذه العبوديَّة وتوابعُها مِن الموالاة فيه سبحانه والمعاداة فيه، والحبِّ فيه والبغض فيه، وبذل النفس له في محاربة عدوِّه، وعبوديَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبوديَّة الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محابِّ الربِّ على محابِّ النفس.

ومنها: عبوديَّة التوبة والرُّجوع إليه واستغفاره، فإنَّه سبحانه يحبُّ التوَّابين ويحبُّ توبتهم، فلو عطِّلت الأسباب التي يُتاب منها لتعطَّلت عبوديَّة التوبة والاستغفار.

ومنها: عبوديَّة مخالفة عدوِّه، ومراغمته في الله، وإغاظته٢ فيه. وهي من أحبِّ أنواع العبوديَّة إليه، فإنَّه سبحانه يحبُّ من وليِّه أن يغيظ٣ عدوَّه

  1. (١) زيد في ع: «والضرر».
  2. (٢) رُسم في عامَّة النسخ بالضاد.
  3. (٣) في النسخ عدا ع: «يبغض»، والظاهر أنه تصحيف عن «يغيض» كما في ع. و«يغيض» خطأ في رسم «يغيظ» على غرار ما سبق في «إغاظته» آنفًا.
514

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي