مدارج السالكين

ويراغمَه ويسوءَه. وهذه عبوديَّة لا يتفطَّن لها إلا الأكياس.

ومنها: أن يتعبَّد له بالاستعاذة من عدوِّه، وسؤاله أن يجيره منه، ويعصمه من كيده وأذاه.

ومنها: أنَّ عبيده يشتدُّ خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حلَّ بعدوِّه بمخالفته وسقوطه من المرتبة الملكيَّة إلى المرتبة الشيطانيَّة، فلا يخلدون إلى غرور الأمن١ بعد ذلك.

ومنها: أنَّهم ينالون ثواب مخالفته ومعاداته، الذي حصولُه مشروطٌ بالمعاداة والمخالفة، فأكثر عبادات القلوب والجوارح مرتَّبةٌ على مخالفته.

ومنها: أنَّ نفس اتِّخاذه عدوًّا من أكبر أنواع العبوديَّة وأجلِّها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، فاتِّخاذه عدوًّا أنفع شيءٍ للعبد، وهو محبوبٌ للربِّ.

ومنها: أنَّ الطبيعة البشريَّة مشتملةٌ على الخير والشرِّ والطيِّب والخبيث، وذلك كامنٌ فيها كمون النار في الزِّناد، فخُلق الشيطان مستخرجًا ما في طبائع أهل الشرِّ من القوَّة إلى الفعل، وأُرسلت الرُّسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوَّة إلى الفعل؛ فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوى هؤلاء من الخير الكامن فيها ليترتَّب٢ عليه آثاره، وما في قوى أولئك من الشرِّ ليترتَّب

  1. (١) ع: «الأمل»، خطأ.
  2. (٢) ع: «ليرتِّب»، وسقط ما بعده إلى قوله: «في الفريقين»، فصار السياق: «ليرتّب وينفذ ...».
515

عليه آثاره، وتظهر حكمته في الفريقين، وينفذ حكمه فيهما، ويظهر ما كان معلومًا له مطابقًا لعلمه السابق.

وهذا هو السؤال الذي سألته ملائكتُه حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فظنَّت الملائكة أنَّ وجود من يسبِّح بحمده ويطيعه ويعبده أولى من وجود من يعصيه ويخالفه، فأجابهم سبحانه بأنَّه يعلم من الحكم والمصالح والغايات المحمودة في خلق هذا النوع ما لا تعلمه الملائكة.

ومنها: أنَّ ظهور كثيرٍ من آياته وعجائب صنعه حصل بسبب وقوع الكفر والشر١ من النُّفوس الكافرة الظالمة، كآية الطُّوفان، وآية الرِّيح، وآية إهلاك ثمودَ وقومِ لوطٍ، وآية انقلاب النار على إبراهيم بردًا وسلامًا، والآيات التي أجراها الله على يد موسى، وغير ذلك من آياته التي يقول سبحانه عقيب ذكر كلِّ آيةٍ منها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهْوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء]٢. فلولا كفر الكافرين وعناد الجاحدين لَما ظهرت هذه الآيات الباهرة التي يُتحدَّث بها٣ جيلًا بعد جيلٍ إلى الأبد.

ومنها: أنَّ خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضًا، ويكسر بعضها بعضًا= هو من شأن كمال الرُّبوبيَّة والقدرة النافذة، والحكمة التامَّة، والملك الكامل. وإن كان شأن الرُّبوبيَّة كاملًا في نفسه ولو لم تُخلَق هذه

  1. (١) ع: «والشرك».
  2. (٢) تكررت الآيتان في ثمانية مواضع في السورة.
  3. (٣) ع: «يَتحدَّث بها الناس».
516

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي