مدارج السالكين

الأسباب، لكنَّ خلقها من لوازم كماله وملكه وقدرته وحكمته، فظهور تأثيرها وأحكامها في عالم الشهادة تحقيقٌ لذلك الكمال وموجَبٌ مِن موجباته، فتعمير مراتب الغيب والشهادة بأحكام الصِّفات من آثار الكمال الإلهيِّ المطلق بجميع وجوهه وأقسامه وغاياته.

وبالجملة: فالعبوديَّة والآيات والعجائب التي ترتَّبت على خلق ما لا يحبُّه ولا يرضاه وتقديره ومشيئته= أحبُّ إليه ﷾ من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها.

فإن قلت: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟

فهذا سؤال باطل، إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرِّك، والتوبة بدون التائب.

فإن قلت: فإذا كانت هذه الأسباب مرادةً لِما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضيَّةً محبوبةً من هذا الوجه، أم هي مسخوطةٌ من جميع الوجوه؟

قلت: هذا السؤال يرد على وجهين:

أحدهما: من جهة الربِّ سبحانه، وهل يكون محبًّا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذواتها؟

والثاني: من جهة العبد، وهو أنَّه هل يسوغ له الرِّضا بها من تلك الجهة أيضًا؟

فهذا سؤالٌ له شأن. فاعلم أنَّ الشرَّ كلَّه يرجع إلى العدم، أعني: عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شرٌّ. وأمَّا من جهة وجوده

517

المحض فلا شرَّ فيه. مثاله: أنَّ النفوس الشِّرِّيرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنَّما حصل لها الشرُّ بقطع مادَّة الخير عنها، فإنَّها خُلِقت في الأصل متحرِّكةً لا تسكن، فإن أُعينت بالعلم وإلهام الخير تحرَّكت به، وإن تُركت تحرَّكت بطبعها إلى خلافه، وحركتُها من حيث هي حركةٌ: خيرٌ، وإنَّما تكون شرًّا بالإضافة، لا من حيث هي حركةٌ. والشرُّ كلُّه ظلمٌ، وهو وضع الشيء في غير موضعه، فلو وُضع في موضعه لم يكن شرًّا.

فعُلم أنَّ جهة الشرِّ فيه نسبةٌ١ إضافيَّةٌ. ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالِّها خيرًا في نفسها، وإن كانت شرًّا بالنِّسبة إلى المحلِّ الذي حلّت به لِما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلةً لضدِّه من اللذَّة، مستعدَّةً له، فصار ذلك الألم شرًّا بالنِّسبة إليها، وهو خيرٌ بالنِّسبة إلى الفاعل حيث وضعه موضعه. فإنَّه سبحانه لا يخلق شرًّا محضًا من جميع الوجوه والاعتبارات، فإنَّ حكمته تأبى ذلك، بل قد يكون ذلك المخلوق شرًّا ومفسدةً ببعض الاعتبارات، وفي خلقه مصالح وحكمٌ باعتباراتٍ أخر أرجحُ من اعتبارات مفاسده، بل الواقع منحصرٌ في ذلك، فلا يمكن في جناب الحقِّ ﷻ أن يريد شيئًا يكون فسادًا من كلِّ وجهٍ وبكلِّ اعتبارٍ، لا مصلحة في خلقه بوجهٍ ما. هذا من أبين المحال، فإنَّه سبحانه بيده الخير، والشرُّ ليس إليه. بل كلُّ ما إليه فخير، والشرُّ إنّما حصل لعدم هذه الإضافة والنِّسبة إليه، فلو كان إليه لم يكن شرًّا، فتأمَّله. فانقطاع نسبته إليه هو الذي

  1. (١) في النسخ الخطية: «بمشيئة»، تصحيف، ولا وجه له. ويحتمل أن يكون صوابه: «نسبيَّةٌ». وسيأتي في تفسير هذا الإجمال قوله: «كانت شرًّا بالنِّسبة إلى المحل ... خير بالنِّسبة إلى الفاعل»، وقوله: «والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه».
518

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي