مدارج السالكين

صيَّره شرًّا.

فإن قلت: لَمْ تنقطع نسبته إليه خلقًا ومشيئةً.

قلت: هو من هذه الجهة ليس بشرٍّ، فإنَّ وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشرٍّ. والشرُّ الذي فيه: مِن عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدمُ ليس بشيءٍ حتَّى يُنسب إلى من بيده الخير.

فإن أردت مزيد إيضاحٍ لذلك، فاعلم أنَّ أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، والإعداد، والإمداد. فهذه هي الخيرات وأسبابها. فإيجاد هذا السبب خير، وهو إلى الله. وإعداده خير، وهو إليه أيضًا. وإمداده خير، وهو إليه. فإذا لم يُحدِث فيه إعدادًا ولا إمدادًا حصل فيه الشرُّ بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل، وإنَّما إليه ضدُّه.

فإن قلت: فهلَّا أمدَّه إذ أوجده؟

قلت: ما اقتضت الحكمة إيجادَه وإمدادَه، فإنَّه ــ سبحانه ــ يوجد ويمدُّه. وما اقتضت الحكمة إيجادَه وتركَ إمداده، أوجده بحكمته ولم يُمدَّه بحكمته. فإيجاده خير، والشرُّ وقع من عدم إمداده.

فإن قلت: فهلَّا أمدَّ الموجوداتِ كلَّها؟

فهذا سؤال فاسد، يظنُّ مُورِده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة. وهذا عين الجهل، بل الحكمة كلُّ الحكمة في هذا التفاوت العظيم الواقع بينها. وليس في خلق كلِّ نوعٍ منها تفاوتٌ، فكلُّ نوعٍ منها ليس في خلقه من تفاوتٍ. والتفاوتُ إنّما وقع بأمورٍ عدميَّةٍ لم يتعلَّق بها الخلق، وإلَّا فليس في الخلق من تفاوتٍ. فإن اعتاص ذلك عليك ولم تفهمه حقَّ الفهم، فراجع

519

قولَ القائل١:

إذا لم تستطع شيئًا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع

كما ذُكر أنَّ الأصمعي اجتمع بالخليل وحرص على فهم العروض، فأعياه ذلك، فقال له الخليل يومًا: قطِّع لي هذا البيت، وأنشده: إذا لم تستطع ... البيت، ففهم ما أراده، فأمسك عنه ولم يشتغل به٢.

وسرُّ المسألة: أن الرِّضا بالله يستلزم الرِّضا بصفاته وأفعاله وأسمائه وأحكامه، ولا يستلزم الرِّضا بمفعولاته كلِّها. بل حقيقة العبوديَّة أن يوافقه عبده في رضاه وسخطه، فيرضى منها بما رضي به ويسخط منها ما سخطه.

فإن قيل: هو سبحانه يرضى عقوبة من يستحقُّ العقوبة، فكيف يمكن العبد أن يرضى بعقوبته له؟

قيل: لو وافقه في رضاه بعقوبته لانقلبت لذَّةً وسرورًا، ولكن لا يقع منه ذلك. فإنَّه لم يوافقه في محبَّةِ طاعته٣ التي هي سرور النفس وقرَّة العين وحياة القلب، فكيف يوافقه في محبَّة العقوبة التي هي أكره شيءٍ إليه وأشقُّ شيءٍ٤ عليه؟! بل كان كارهًا لِما يحبُّه من طاعته وتوحيده، فلا يكون راضيًا

  1. (١) هو عمرو بن معديكرب، كما في «الأصمعيَّات» (رقم ٦١) و«الزهرة» (ص ٨٠٥) و«الأغاني» (١٥/ ٢٠٧، ٢٢٥، ٢٣٦).
  2. (٢) انظر: «نزهة الألباء» (ص ٩٢). والقصة بنحوها في «التذكرة الحمدونية» (٨/ ٣١٢) و«محاضرات الأدباء» للراغب (١/ ٦٧)، ولكن فيها «يونس» ــ وهو ابن حبيب الضبي ــ مكان «الأصمعي».
  3. (٣) ع، والمطبوعات: «محبته وطاعته»، خطأ يفسد المراد.
  4. (٤) ع: «وأشقُّه».
520

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي