مدارج السالكين

قولَ القائل١:

إذا لم تستطع شيئًا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع

كما ذُكر أنَّ الأصمعي اجتمع بالخليل وحرص على فهم العروض، فأعياه ذلك، فقال له الخليل يومًا: قطِّع لي هذا البيت، وأنشده: إذا لم تستطع ... البيت، ففهم ما أراده، فأمسك عنه ولم يشتغل به٢.

وسرُّ المسألة: أن الرِّضا بالله يستلزم الرِّضا بصفاته وأفعاله وأسمائه وأحكامه، ولا يستلزم الرِّضا بمفعولاته كلِّها. بل حقيقة العبوديَّة أن يوافقه عبده في رضاه وسخطه، فيرضى منها بما رضي به ويسخط منها ما سخطه.

فإن قيل: هو سبحانه يرضى عقوبة من يستحقُّ العقوبة، فكيف يمكن العبد أن يرضى بعقوبته له؟

قيل: لو وافقه في رضاه بعقوبته لانقلبت لذَّةً وسرورًا، ولكن لا يقع منه ذلك. فإنَّه لم يوافقه في محبَّةِ طاعته٣ التي هي سرور النفس وقرَّة العين وحياة القلب، فكيف يوافقه في محبَّة العقوبة التي هي أكره شيءٍ إليه وأشقُّ شيءٍ٤ عليه؟! بل كان كارهًا لِما يحبُّه من طاعته وتوحيده، فلا يكون راضيًا

  1. (١) هو عمرو بن معديكرب، كما في «الأصمعيَّات» (رقم ٦١) و«الزهرة» (ص ٨٠٥) و«الأغاني» (١٥/ ٢٠٧، ٢٢٥، ٢٣٦).
  2. (٢) انظر: «نزهة الألباء» (ص ٩٢). والقصة بنحوها في «التذكرة الحمدونية» (٨/ ٣١٢) و«محاضرات الأدباء» للراغب (١/ ٦٧)، ولكن فيها «يونس» ــ وهو ابن حبيب الضبي ــ مكان «الأصمعي».
  3. (٣) ع، والمطبوعات: «محبته وطاعته»، خطأ يفسد المراد.
  4. (٤) ع: «وأشقُّه».
520

بما يختاره من عقوبته، ولو فعل ذلك لارتفعت عنه العقوبة.

فإن قلت: فكيف يجتمع الرِّضا بالقضاء الذي يكرهه العبد من المرض والفقر والألم مع كراهيته؟

قلت: لا تنافي في ذلك، فإنَّه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحبُّ، ويكرهه من جهة تألُّمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أنَّ فيه شفاءه، فإنَّه يجتمع فيه رضاه١ وكراهته له.

فإن قلت: كيف يرضى لعبده شيئًا ولا يعينه عليه؟

قلت: لأنَّ إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوبٍ له أعظمَ مِن حصول تلك الطاعة التي رضيها له. وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمَّن مفسدةً هي أكره إليه سبحانه من محبَّته لتلك الطاعة، بحيث يكون وقوعها منه مستلزمًا لمفسدةٍ راجحةٍ ومفوِّتًا لمصلحةٍ راجحةٍ.

وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ٤٦ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٦ - ٤٧]. فأخبر سبحانه أنَّه كره انبعاثهم مع رسوله للغزو، وهو طاعة وقربة، وقد أمرهم به، فلمَّا كرهه منهم ثبَّطهم عنه. ثمَّ ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت تترتَّب على خروجهم مع رسوله، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي: فسادًا وشرًّا، ﴿وَلَأَوْضَعُوا

  1. (١) في ع زيادة: «به».
521

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي