مدارج السالكين

خِلَالَكُمْ﴾ أي: سعوا فيما بينكم بالفساد والشرِّ ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: قابلون منهم مستجيبون لهم، فيتولَّد من بين سعي هؤلاء بالفساد وقبول أولئك١ من الشرِّ ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أنْ منعهم من الخروج وأقعدهم عنه.

فاجعل هذا المثال أصلًا لهذا الباب وقِس عليه.

فإن قلت: قد تصوَّر لي هذا في رضا الربِّ تعالى لبعض ما يخلقه من وجهٍ وكراهته من وجهٍ، فكيف لي بأن يجتمع الأمران في حقِّي بالنسبة إلى المعاصي والفسوق؟

قلت: هو متصوَّرٌ ممكن، بل واقع، فإنَّ العبد يسخط ذلك ويبغضه ويكرهه من حيث هو فعلٌ له واقعٌ بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإذنه الكونيِّ، فيرضى بما مِن الله ويسخط ما هو منه. فهذا مسلك طائفةٍ من أهل العرفان.

وطائفةٌ أخرى رأوا كراهة ذلك مطلقًا وعدمَ الرِّضا به من كلِّ وجهٍ. وهؤلاء في الحقيقة لا يخالفون أولئك، فإنَّ العبد إذا كرهها مطلقًا، فإنَّ الكراهة إنَّما تقع على الاعتبار المكروه منها. وهؤلاء لم يكرهوا علم الربِّ وكتابته ومشيئته وإلزامه وحكمه الكوني، وأولئك لم يرضوا بها من الوجه الذي سخطها الربُّ وأبغضها لأجله.

وسرُّ المسألة: أنَّ الذي إلى الربِّ منها غير مكروه، والذي إلى العبد منها هو المكروه المسخوط.

  1. (١) في ع زيادة: «منهم».
522

فإن قلت: ليس إلى العبد شيءٌ منها؟

قلت: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبَه التخلُّصُ من هذا المقام الضيِّق. والقدريُّ أقرب إلى التخلُّص منه من الجبريِّ. وأهل السُّنَّة المتوسِّطون بين القدريَّة والجبريَّة هم أسعد بالتخلُّص منه من الفريقين.

فإن قلت: كيف يتأتَّى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود القيُّوميَّة والمشيئة النافذة؟

قلت: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرتُه في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعاتٍ لموافقته فيها المشيئةَ والقدر، وقال: إن عصيتُ أمره فقد أطعت إرادته! وفي ذلك قيل١:

أصبحتُ منفعلًا لما يختارهمنِّي، ففعلي كلُّه طاعاتُ

وهؤلاء أعمى الخلقِ بصائرَ، وأجهلُهم بالله وأحكامه الدينية والكونيَّة، فإنَّ الطاعة هي موافقة الأمر، لا موافقة القدر والمشيئة. ولو كانت موافقة القدر طاعةً لله لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وقومُ لوطٍ وقومُ فرعون كلُّهم مطيعين له، فيكون قد عذَّبهم أشدَّ العذاب على طاعته، وانتقم منهم لأجلها. وهذا غاية الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.

فإن قلت: ومع ذلك، فاجمع لي بين الندم والتوبة، وبين مشهد القيُّوميَّة والحكمة؟

  1. (١) تقدَّم في (١/ ٢٥٠).
523

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي