مدارج السالكين

فإن قلت: ليس إلى العبد شيءٌ منها؟

قلت: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبَه التخلُّصُ من هذا المقام الضيِّق. والقدريُّ أقرب إلى التخلُّص منه من الجبريِّ. وأهل السُّنَّة المتوسِّطون بين القدريَّة والجبريَّة هم أسعد بالتخلُّص منه من الفريقين.

فإن قلت: كيف يتأتَّى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود القيُّوميَّة والمشيئة النافذة؟

قلت: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرتُه في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعاتٍ لموافقته فيها المشيئةَ والقدر، وقال: إن عصيتُ أمره فقد أطعت إرادته! وفي ذلك قيل١:

أصبحتُ منفعلًا لما يختارهمنِّي، ففعلي كلُّه طاعاتُ

وهؤلاء أعمى الخلقِ بصائرَ، وأجهلُهم بالله وأحكامه الدينية والكونيَّة، فإنَّ الطاعة هي موافقة الأمر، لا موافقة القدر والمشيئة. ولو كانت موافقة القدر طاعةً لله لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وقومُ لوطٍ وقومُ فرعون كلُّهم مطيعين له، فيكون قد عذَّبهم أشدَّ العذاب على طاعته، وانتقم منهم لأجلها. وهذا غاية الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.

فإن قلت: ومع ذلك، فاجمع لي بين الندم والتوبة، وبين مشهد القيُّوميَّة والحكمة؟

  1. (١) تقدَّم في (١/ ٢٥٠).
523

قلت: العبد إذا شهد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربِّه، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عينٍ= كان بالله في هذه الحال، لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتَّى في هذه الحال البتَّة، فإنَّ عليه حصنًا حصينًا من «فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يَبطش، وبي يمشي»١، فلا يُتصوَّر منه الذنب في هذه الحال.

فإذا حُجب عن هذا المشهد، وسقط إلى وجوده الطبيعي، وبقي بنفسه= استولى عليه حكم النفس والطبع والهوى. وهذا الوجود الطَّبَعيُّ قد نصبت فيه الشِّباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيَّادون، فلا بدَّ أن يقع في شبكةٍ من تلك الشِّباك٢. وهذا الوجود هو حجابٌ بينه وبين ربِّه، فيقع الحجاب، ويقوى المُقتضي، ويضعف المانع، وتشتدُّ الظُّلمة، ويعصف الهوى٣؛ فأنَّى له بالخلاص من تلك الأشراك٤؟ فإذا انقشع عنك ضباب ذلك الوجود الطَّبَعي، وانجاب ظَلامُه، وزال قَتامه، وصرت بربِّك ذاهبًا عن نفسك وطبعك=

بدا لك سرٌّ طال عنك اكتتامهولاح صباحٌ كنتَ أنت ظلامُهُ
فأنت حجاب القلب عن سرِّ غيبهولولاك لم يُطبَع عليه ختامُهُ
فإن غبت عنه حلَّ فيه، وطنَّبتعلى منكب الكشف المصون خيامُهُ
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سماعهشهيٌّ إلينا نثره ونظامُهُ
  1. (١) سبق تخريجه والكلام عليه (١/ ٤٠٨).
  2. (٢) زاد في ع: «أو شركة من تلك الأشراك».
  3. (٣) ج، ن، ع، والنسخ المطبوعة «تضعف القوى»، تصحيف.
  4. (٤) زاد في ع: «والشباك».
524

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي