مدارج السالكين

قلت: العبد إذا شهد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربِّه، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عينٍ= كان بالله في هذه الحال، لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتَّى في هذه الحال البتَّة، فإنَّ عليه حصنًا حصينًا من «فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يَبطش، وبي يمشي»١، فلا يُتصوَّر منه الذنب في هذه الحال.

فإذا حُجب عن هذا المشهد، وسقط إلى وجوده الطبيعي، وبقي بنفسه= استولى عليه حكم النفس والطبع والهوى. وهذا الوجود الطَّبَعيُّ قد نصبت فيه الشِّباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيَّادون، فلا بدَّ أن يقع في شبكةٍ من تلك الشِّباك٢. وهذا الوجود هو حجابٌ بينه وبين ربِّه، فيقع الحجاب، ويقوى المُقتضي، ويضعف المانع، وتشتدُّ الظُّلمة، ويعصف الهوى٣؛ فأنَّى له بالخلاص من تلك الأشراك٤؟ فإذا انقشع عنك ضباب ذلك الوجود الطَّبَعي، وانجاب ظَلامُه، وزال قَتامه، وصرت بربِّك ذاهبًا عن نفسك وطبعك=

بدا لك سرٌّ طال عنك اكتتامهولاح صباحٌ كنتَ أنت ظلامُهُ
فأنت حجاب القلب عن سرِّ غيبهولولاك لم يُطبَع عليه ختامُهُ
فإن غبت عنه حلَّ فيه، وطنَّبتعلى منكب الكشف المصون خيامُهُ
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سماعهشهيٌّ إلينا نثره ونظامُهُ
  1. (١) سبق تخريجه والكلام عليه (١/ ٤٠٨).
  2. (٢) زاد في ع: «أو شركة من تلك الأشراك».
  3. (٣) ج، ن، ع، والنسخ المطبوعة «تضعف القوى»، تصحيف.
  4. (٤) زاد في ع: «والشباك».
524
إذا ذكرَتْه النفسُ زال عناؤهاوزال عن القلب المُعنَّى قَتامُهُ١

فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنَّه كان في المعصية بنفسه، محجوبًا فيها عن ربِّه وعن طاعته، فلمَّا فارق ذلك الوجود، وصار في وجودٍ آخر= بقي بربِّه لا بنفسه.

وإذا عرف هذا، فالتوبة والندم يكون في هذا الوجود الذي هو فيه بربِّه. وذلك لا ينافي مشهد الحكمة والقيُّوميَّة، بل يجامعه ويستمدُّ منه. وبالله التوفيق.

قوله٢: (ويصحُّ بثلاث شرائط: باستواء الحالات عند العبد٣، وسقوط الخصومة مع الخلق، وبالخلاص من المسألة والإلحاح).

يعني: أنَّ الرِّضا عن الله إنَّما يتحقَّق بهذه الأمور الثلاثة، فإنَّ الراضي الموافق تستوي عنده الحالات من النِّعمة والبليَّة في رضاه بحسن اختيار الله له. وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته، فإنَّ هذا خلاف الطبع البشريِّ، بل الحيوانيِّ٤. وليس المراد أيضًا استواء الحالات عنده في الطاعة والمعصية، فإنَّ هذا منافٍ للعبوديَّة من كلِّ وجهٍ.

  1. (١) نسبها ابنُ عجيبة في «شرح الحكم» (ص ٥١٣) إلى ابن العَرِيف الصنهاجي. وذكر ابن العربي الأربعة الأولى في «الفتوحات» (٣/ ٢١٤ - ٢١٥) بلا نسبة. ونُسب البيتان الأولان إلى الحلاج، ولا يصح. انظر «شرح ديوان الحلاج» لكامل الشيبي (ص ٤٨٤).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤٠)، والكلام عن الدرجة الثانية: الرضا عن الله ﷿.
  3. (٣) ش: «عند العجز»، تحريف. ثم زيد في الهامش مصححًا عليه: «والقدرة»، وهو رمٌّ على فساد!
  4. (٤) «ليس المراد ...» إلى هنا سقط من ش. وفي ع: «بل وخلاف الطبع الحيواني».
525

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي