مدارج السالكين

الرِّضا واليقين أخوان مصطحبان، والشكُّ والسخط قرينان. وهذا معنى الحديث الذي في «الترمذي»١ أو غيره: «إن استطعت أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإنَّ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا».

العشرون: أنّ الرِّضا بالمقدور من سعادة ابن آدم، وسخطُه من شقاوته، كما في «المسند» و«الترمذي»٢ من حديث سعد بن أبي وقَّاص قال: قال رسول الله ﷺ: «مِن سعادة ابن آدم استخارةُ الله ﷿، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله. ومن شِقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله، ومن شقاوة ابن آدم تركُ استخارة الله».

فالرِّضا بالقضاء من أسباب السعادة، والتسخُّط على القضاء من أسباب الشقاوة.

الحادي والعشرون: أنَّ الرِّضا يوجب له أن لا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه، وذلك من أفضل خصائل الإيمان. أمَّا عدم أساه على الفائت

  1. (١) ليس فيه، وإنما أخرجه الحاكم (٣/ ٥٤١) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٣١٤) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٩٥٢٨) وغيرهم، وهو ضعيف. وقد سبق تخريجه مفصلًا (١/ ١٦٨ - ١٦٩).
  2. (٢) «مسند أحمد» (١٤٤٤) و«جامع الترمذي» (٢١٥١)، وأخرجه أيضًا البزار (١١٧٨) والحاكم (١/ ٥١٨)، كلهم من حديث محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده. وإسناده ضعيف جدًّا، قال الترمذي: «حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث»، بل هو منكر الحديث كما قال البخاري وغيره.
    وله طريق آخر عند البزار (١١٧٩) وأبي يعلى (٧٠١) عن إسماعيل بن محمد بن سعد به، ولكنه واهٍ أيضًا.
530

فظاهر. وأمَّا عدم فرحه بما آتاه، فلأنَّه يعلم أنَّ المصيبة فيه مكتوبةٌ من قبل حصوله، فكيف يفرح بشيءٍ يعلم أنَّ له فيه مصيبةً منتظرةً١ ولا بدَّ؟

الثاني والعشرون: أنَّ من ملأ قلبه من الرِّضا بالقدر، ملأ الله صدره غنًى وأمنًا وقناعةً، وفرَّغ قلبه لمحبَّته، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه. ومن فاته حظُّه من الرِّضا، امتلأ قلبه بضدِّ ذلك، واشتغل عمَّا فيه سعادته وفلاحه. فالرِّضا يفرِّغ القلب لله، والسخط يفرِّغ القلب من الله.

الثالث والعشرون: أنَّ الرِّضا يثمر الشُّكر، الذي هو من أعلى مقامات الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان. والسخط يثمر ضدَّه، وهو كفر النِّعم. وربَّما أثمر له كفر المُنعِم. فإذا رضي عن ربِّه في جميع الحالات، أوجب له ذلك شكرَه، فيكون من الراضين الشاكرين. وإذا فاته الرِّضا كان من الساخطين، وسلك سبيل الكافرين.

الرابع والعشرون: أنَّ الرِّضا ينفي عنه آفات الحرص والكَلَب على الدُّنيا، وذلك رأس كلِّ خطيئة، وأصلُ كلِّ بليَّة، وأساسُ كلِّ رزيّة؛ فرضاه عن ربِّه في جميع الحالات ينفي عنه٢ هذه الآفات.

الخامس والعشرون: أنَّ الشّيطان إنَّما يظفر بالإنسان غالبًا عند السخط والشهوة، فهناك يصطاده. ولا سيَّما إذا استحكم سخطه، فإنَّه يقول ما لا يرضي الربَّ، ويفعل ما لا يرضيه، وينوي ما لا يرضيه. ولهذا قال النبيُّ ﷺ عند موت ابنه إبراهيم: «يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول إلا ما يُرضي

  1. (١) ع: «تنتظره».
  2. (٢) في ع زيادة: «مادَّة».
531

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي