مدارج السالكين

الثاني: من غيَّبه الرِّضا عن الرحمة، فلم يتَّسع للأمرين١.

الثالث: من غيَّبته الرحمة والرقَّة عن الرِّضا فلم يشهده٢.

الرابع: من لا رضا عنده ولا رحمة، وإنَّما كان حزنُه لفوات حظِّه من الميِّت. وهذا حال أكثر الخلق. فلا إحسان ولا رضا عن الرحمن. والله المستعان٣.

السادس والعشرون: أنَّ الرِّضا هو اختيار ما اختاره الله لعبده. والسخط كراهة ما اختاره الله، وهذا نوع محادَّة، فلا يتخلَّص منه إلا بالرِّضا عن الله في جميع الحالات.

السابع والعشرون: أنَّ الرِّضا يُخرج الهوى من القلب، فالراضي هواه تبعٌ لمراد ربِّه منه، أعني المراد الذي يحبُّه ويرضاه، فلا يجتمع الرِّضا واتِّباع الهوى في قلبٍ أبدًا. وإن كان معه شعبةٌ من هذا وشعبةٌ من هذا، فهو للغالب عليه منهما.

الثامن والعشرون: أنَّ الرِّضا عن الله في جميع الحالات يثمر للعبد رضا الله عنه كما تقدَّم بيانه في الرِّضا به ربًّا، فإنَّ الجزاء من جنس العمل. وفي أثرٍ إسرائيليٍّ أنَّ موسى سأل ربَّه ﵎ عمَّا يدني من رضاه، فقال: «إنَّ

  1. (١) زاد في ع: «بل غيَّبه أحدهما عن الآخر».
  2. (٢) زاد في ع: «بل فني عن الرضا».
  3. (٣) انظر هذا التحقيق في حال الفضيل وتقسيم الناس في «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٤٧). ونقله المؤلف سماعًا منه في «زاد المعاد» (١/ ٦٤٠ - ٦٤١) بأخصر مما هنا. وانظر: «روضة المحبين» (ص ٤٠٧).
533

رضاي في رضاك بقضائي»١.

التاسع والعشرون٢: أنَّ الرِّضا بالقضاء أشقُّ شيءٍ على النفس. بل هو ذبحها في الحقيقة، فإنَّه مخالفة هواها وطبعها وإرادتها. ولا تصير مطمئنَّةً قطُّ حتى ترضى بالقضاء، فحينئذٍ تستحقُّ أن يقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].

الثلاثون: أنَّ الرّاضي متلقٍّ٣ أوامرَ الرب الدينيَّةَ والقدريَّةَ بالانشراح والتسليم وطيب النفس والاستسلام، والساخطُ يتلقَّاها بضدِّ ذلك إلَّا ما وافق طبعه وإرادته منها. وقد بيَّنَّا أن الرِّضا بذلك لا ينفعه ولا يثاب عليه، فإنَّه لم يرض به لكون الله قدَّره وقضاه وأمر به، وإنَّما رضي به لموافقته هواه وطبعه، فهو إنَّما رضي بنفسه وعن نفسه، لا عن ربِّه.

الحادي والثلاثون: أنَّ المخالفاتِ كلَّها أصلُها من عدم الرِّضا، والطاعاتِ كلَّها أصلُها من الرِّضا. وهذا إنَّما يعرفه حقَّ المعرفة من عرف صفات نفسه وما يتولَّد عنها من الطاعات والمعاصي.

الثاني والثلاثون: أنَّ عدم الرِّضا يفتح باب البدعة، والرِّضا يُغلق عنه ذلك

  1. (١) «قوت القلوب» (٢/ ٤١) و«القشيرية» (ص ٤٥٤). وقد اختصره المؤلف هنا بحذف ما استُشكل منه، بل حكم عليه شيخ الإسلام من أجله أنه كذب. وسينقله المؤلف بتمامه في «الحادي والخمسين»، فانظره (ص ٥٥١) مع التعليق عليه.
  2. (٢) «أن الرضا عن الله ... التاسع والعشرون» سقط من ع لانتقال النظر.
  3. (٣) ع: «متملق»، تصحيف.
534

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي