البصائر فيه تأمُّلًا وتفكيرًا١ زادها هدايةً وتبصيرًا٢. وكلّما بجَسَتْ مَعينَه فجَّر لها ينابيع الحكمة تفجيرًا. فهو نور البصائر من عماها٣، وشفاء الصُّدور من أدوائها وجواها؛ وحياة القلوب، ولذّة النُّفوس، ورياض القلوب، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، والمنادي بالمساء والصّباح: يا أهل الفلاح، حيَّ على الفلاح.
نادى به منادي الإيمان على رأس الصِّراط٤ المستقيم: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الأحقاف: ٣١]. أسمَعَ واللهِ لو صادف آذانًا واعيةً، وبصَّر لو صادف قلوبًا من الفساد خاليةً. لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء، فأطفأت مصابيحَها. وتمكّنت منها آراء الرِّجال، فأغلقت أبوابَ رشدها، وأضاعت مفاتيحَها٥. وران عليها كسبُها، فلم تجد حقائقُ القرآن فيها منفذًا. وتحكّمت فيها أسقامُ الجهل، فلم تنتفع معها بصالح الغِذا.
واعجبًا لها! جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تُسْمِن ولا تُغني من جوعٍ، ولم تقبل الاغتذاء٦ بكلام ربِّ العالمين، ونصِّ نبيِّه المرفوع! سبحان الله! كيف اهتدت في ظُلَم الآراء إلى التّمييز بين الخطأ والصّواب،
(١) ما عدا ق، ش: "تفكرا".
(٢) ل، ج، ع: "تبصرا".
(٣) م: "عن عماها". ج، ع: "من عمائها".
(٤) ج: "السراط".
(٥) العبارة: "وتمكنت منها ... مفاتيحها" ساقطة من ع.
(٦) ج، ع: "الغذاء".
وخفي عليها ذلك في مطالع الأنوار من السُّنّة والكتاب!
واعجبًا! كيف ميّزت بين صحيح الآراء وسقيمها، ومقبولها ومردودها، وراجحها ومرجوحها؛ وأقرّت على أنفسها بالعجز عن تلقِّي الهدى والعلم من كلامِ مَن لا يأتيه الباطل١ من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكفيل بإيضاح الحقِّ مع غاية التِّبيان؛ وكلامِ مَن أوتي جوامعَ الكلم، واستولى على الأمد الأقصى من البيان؟
كلّا! بل هي ــ واللهِ ــ فتنةٌ أعمت القلوبَ عن مواقع رشدها، وحيَّرت العقولَ عن طرائق قصدها؛ يربّى فيها الصّغير، ويهرم عليها٢ الكبير.
وظنّت خفافيش البصائر أنّها الغاية التي يُسابِق٣ المتسابقون إليها، والنِّهاية التي يتنافس٤ المتنافسون فيها٥، وتزاحموا٦ عليها. وهيهات! أين السُّهى من شمس الضُّحى، وأين الثَّرى من كواكب الجوزاء! وأين الكلام الذي لم يُضمَن٧ لنا عصمةُ قائله بدليلٍ معلومٍ، من النّقل المصدَّق
(١) ش، ع: "من كلامٍ لا يأتيه الباطل" بحذف "مَنْ"، وضرب بعضهم عليها في ل، فإن كتاب الله هو الذي وصف في القرآن بأنه لا يأتيه الباطل. ومن ثم زِيد في بعض الطبعات بعد "مَن": "كلامُه".
(٢) ع: "فيها".
(٣) ج، ع: "تسابق"، وهو أشبه.
(٤) حكّ بعضهم ياء المضارع في ل ليوافق الفعل الماضي الآتي، وهو أشبه.
(٥) السياق في ع: "تسابق إليها المتسابقون ... فيها المتنافسون".
(٦) ج: "يتزاحموا" ليناسب الفعل المضارع السابق.
(٧) ل: "تضمن". وضبط "عصمةَ" بالنصب في ق المقابلة والمقروءة على المؤلف!