مدارج السالكين

شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»١، فإنَّ السائلين سألوه فأعطاهم الفضل الذي سألوه، والراضون رضُوا عنه فأعطاهم رضاه عنهم، ولا يمنع الرِّضا سؤالَه أسباب الرِّضا، بل أصحابه ملحُّون في سؤالهم٢ ذلك.

السادس والأربعون: أنَّ النبي ﷺ كان يندب إلى أعلى المقامات، فإن عجز العبد عنه حطَّه إلى المقام الوسط، كما قال: «اعبد الله كأنَّك تراه»، فهذا مقام المراقبة الجامع لمقامات الإسلام والإيمان والإحسان، ثمَّ قال: «فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك»، فحطَّه عند العجز عن هذا إلى مقام العلم باطلاعه٣ ورؤيته ومشاهدته لعبده٤.

وكذا الحديث الآخر: «إن استطعت أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين

  1. (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٨١) وأحمد في «الزهد» (ص ١٢٣) والبيهقي في «الشعب» (٥٦٩) عن مالك بن الحارث السُّلَمي ــ تابعي ثقة ــ قال: يقول الله تعالى.
    وقد روي مرفوعًا، أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١١٥) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٦٧) من حديث عمر بن الخطاب بإسناد ضعيف جدًّا. وأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٥٨٤) والبيهقي في «الشعب» (٥٦٨) من حديث جابر، وإسناده ضعيف أيضًا. وروي نحوه من حديث أبي سعيد وأنس وغيرهما، ولكن أسانيدها واهية. وأصح شيء في الباب مرسل عمرو بن مرَّة الجَمَلي عند ابن أبي شيبة (٢٩٨٨٣) بإسناد حسن. انظر: «الضعيفة» للألباني (١٣٣٥، ٤٩٨٩) و«أنيس الساري» (٤٧٥٨).
  2. (٢) ع: «سؤاله»، أي سؤال الله.
  3. (٣) السياق في ع: «عن المقام الأول إلى المقام الثاني، وهو العلم باطلاع الله».
  4. (٤) زاد في ع: «في الملا والخلا».
542

فافعل، فإن لم تستطع فإنَّ في الصبر [على ما تكره]١ خيرًا كثيرًا»٢، فرفعه إلى أعلى المقامات، ثمَّ ردَّه إلى أوسطها إن لم يستطع الأعلى. فالأوَّل مقام الإحسان، والذي حطَّه إليه مقام الإيمان، وليس دون ذلك إلَّا مقام الخسران.

السابع والأربعون: أنَّه ﷺ أثنى على الراضين بمُرِّ القضاء بالحُكم والعلم والفقه والقرب من درجة النبوَّة، كما في حديث الوفد الذين قدموا على النبي ﷺ، فقال: «ما أنتم؟» فقالوا: مؤمنون، فقال: «ما علامة إيمانكم؟» فقالوا: الصبر عند البلاء، والشُّكر عند الرخاء، والرِّضا بمرِّ القضاء، والصِّدق في مواطن اللِّقاء، وترك الشماتة بالأعداء، فقال: «حكماء علماء، كادوا مِن فقههم أن يكونوا أنبياء»٣.

الثامن والأربعون: أنَّ الرِّضا آخذٌ بزمام مقامات الدِّين كلِّها، وهو روحها وحياتها، فإنَّه روح التوكُّل وحقيقته، وروح اليقين، وروح المحبَّة، وصفة المحبِّ، ودليل صدق المحبَّة، وروح الشُّكر ودليله.

قال الربيع بن أنسٍ: علامة حبِّ الله: كثرة ذكره، فإنَّك لا تحبُّ شيئًا إلَّا

  1. (١) ما بين الحاصرتين من ع، وهو لفظ الحديث.
  2. (٢) سبق تخريجه (١/ ١٦٨ - ١٦٩).
  3. (٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٩/ ٢٧٩) والبيهقي في «الزهد الكبير» (٩٧٠) وابن عساكر في «تاريخه» (١/ ١٩٩ - ٢٠١) من حديث علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي، عن أبيه، عن جدِّه الذي كان في ذلك الوفد. إسناده ضعيف، فإن علقمة مجهول، قال الذهبي: لا يُعرَف، وأتى بخبر منكر عن أبيه عن جدِّه. «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٠٨). وأقره الحافظ في «اللسان» (٥/ ٤٧٢).
543

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي