مدارج السالكين

أكثرت من ذكره. وعلامة الدِّين: الإخلاص لله١. وعلامة الشُّكر: الرِّضا بقدر الله والتسليم لقضائه٢.

وقال أحمد بن أبي الحَواريِّ: ذاكرت أبا سليمان٣ في الخبر المرويِّ: «أوَّل من يدعى إلى الجنَّة الحمَّادون»٤، فقال: ويحك! ليس هو أن تحمده على المصيبة وقلبك يتعصَّر٥ عليها، إذا كنت كذلك فارجع إلى الصابرين، إنَّما الحمد: أن تحمده وقلبك مسلِّمٌ راضٍ٦.

فصار الرِّضا كالرُّوح لهذه المقامات والأساس الذي تنبني عليه، ولا

  1. (١) زيد في ع: «في السر والعلانية»، إقحامٌ، ليس في المصادر.
  2. (٢) أخرجه أبو إسحاق الخُتَّلي في جزء «المحبة لله» (٣٢) والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (ص ٧٤٧) عن الربيع بن أنس عن بعض أصحابه. وفيه زيادة: «وعلامة العلم: خشية الله».
  3. (٣) هو الداراني.
  4. (٤) أخرجه البزار (١١/ ٢٤٧) والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٩) وفي «الأوسط» (٣٠٣٣) وفي «الصغير» (٢٨٨) والحاكم (١/ ٥٠٢) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ٦٩) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٠٦٣، ٤٠٦٤، ٤١٦٦، ٤١٦٧) وغيرهم بأسانيد ضعيفة عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٠٦) بإسناد صحيح عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير موقوفًا عليه من قوله. وانظر: «الضعيفة» (٦٣٢).
    وفي الباب حديث عمران بن الحصين موقوفًا: «إن خير عباد الله يوم القيامة الحمَّادون». أخرجه أحمد (١٩٨٩٥) وابن أبي شيبة (٣٥٨٣٧) بإسناد صحيح.
  5. (٥) في الأصل وغيره: «يتعصَّى»، والمثبت من ش أقرب، ويؤيده لفظ مصدر الخبر: «معتصر عليها». وفي ع: «يتعصَّى عليك»، وله وجه من حيث المعنى.
  6. (٦) أسنده أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٠).
544

يصحُّ شيءٌ منها بدونه البتَّة.

التاسع والأربعون: أنَّ الرِّضا يقوم له مقام كثيرٍ من أنواع التعبُّدات التي تشقُّ على البدن، فيكون رضاه أسهل عليه، وألذَّ له، وأرفع في درجته.

وقد ذُكر في أثرٍ إسرائيليٍّ: أن عابدًا عبد الله دهرًا طويلًا، فأري في المنام: أنَّ فلانة الراعية رفيقتك في الجنَّة، فسأل عنها إلى أن وجدها، فاستضافها ثلاثًا ينظر إلى عملها، وكان يبيت قائمًا وتبيت نائمةً، ويظلُّ صائمًا وتظلُّ مفطرةً. فقال: أما لكِ عملٌ غير ما رأيت؟ قالت: ما هو والله غير ما رأيت١، لا أعرف غيره. فلم يزل يقول: تذكَّري، حتّى قالت: خُصَيلةٌ واحدةٌ هي فيَّ٢: إن كنت في شدَّةٍ لم أتمنَّ أنِّي في الرخاء، وإن كنت في مرضٍ لم أتمنَّ أنِّي في صحَّةٍ، وإن كنت في شمسٍ لم أتمنَّ أنِّي في الظِّلِّ. قال: فوضع العابد يده على رأسه وقال: أهذه خُصيلة؟ هذه والله خصلةٌ عظيمةٌ يَعجِز عنها العبَّاد٣.

وقد روي عن ابن مسعود: من رضي بما نزل من السماء إلى الأرض غفر له٤.

  1. (١) زاد في ع: «أو قالت: إلا ما رأيت».
  2. (٢) زاد في ع: «وذلك أنِّي».
  3. (٣) أسنده أبو نعيم (٨/ ١٩٣) عن عبد العزيز بن أبي روَّاد ــ من أتباع التابعين ــ بلاغًا. وذكره أبو طالب في «قوت القلوب» (٢/ ٣٩) ثم الغزالي في «الإحياء» (٤/ ٣٤٦).
  4. (٤) «قوت القلوب» (٢/ ٣٩)، والمؤلف صادر عنه. وأخرجه هبة الله الطبري في «شرح السنة» (١٧٠٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٤٩) والبيهقي في «الزهد الكبير» (٨٢٦) بنحوه، وإسناده ضعيف.
545

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي