وفي أثرٍ آخر: من رضي من الله بالقليل من الرِّزق، رضي الله منه بالقليل من العمل١.
وقال بعض العارفين: أعرف في الموتى عالَمًا ينظرون إلى منازلهم في الجنان في قبورهم، يُغدى عليهم ويُراح برزقهم من الجنَّة بكرةً وعشيًّا، وهم في غمومٍ وكروبٍ في البرزخ لو قُسِمت على أهل بلدٍ لماتوا أجمعين. قيل: وما كانت أعمالهم؟ قال: كانوا مسلمين مؤمنين، إلَّا أنَّهم لم يكن لهم من التوكُّل ولا من الرِّضا نصيبٌ٢.
وفي وصيَّة لقمان لابنه: أوصيك بخصالٍ تقرِّبك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت٣.
(١) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠). وأخرجه ابن أبي الدنيا في «الفرج بعد الشدة» (١) ــ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (٩٥٣١) ــ وابن شاهين في «فضائل الأعمال» (٣٠٧) وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٣٢٠) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه عبد الله بن شبيب، ذاهب الحديث. وله طريق آخر في «الموضح» للخطيب (١/ ٤٥٩)، لكنه أوهى من سابقه، فيه أحمد بن خالد الباهلي المعروف بـ «غلام خليل» الزاهد القاصُّ، متَّهم بالوضع، وقيل إنه كان يسرق الحديث من عبد الله بن شبيب السابق ذكرُه.
(٢) «قوت القلوب» (٢/ ٩، ٤٠)، ونسبه إلى سهل التستري.
(٣) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠).
وقال بعض العارفين: من يتوكَّل على الله ويرضى١ بقدر الله، فقد أقام الإيمان، وفرَّغ يديه ورجليه لكسب الخير، وأقام الأخلاق الصالحة التي تُصلح للعبد أمرَه٢.
الخمسون: أن الرِّضا يفتح باب حسن الخلق مع الله ومع الناس، والسخط يفتح باب سوء الخلق مع الله ومع الناس، فإنَّ حسن الخلق من الرِّضا وسوء الخلق من السخط. وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجةَ الصائم القائم٣، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
الحادي والخمسون: أنّ الرِّضا يثمر سرورَ القلب بالمقدور في جميع الأمور، وطيبَ النفس وسكونها في كلِّ حالٍ، وطمأنينةَ القلب عند كلِّ مفزعٍ مَهْلَعٍ من أمور الدُّنيا، وبردَ القناعة، واغتباطَ العبد بقَسْمه من ربِّه، وفرحَه بقيام مولاه عليه، واستسلامَه لمولاه في كلِّ شيءٍ، ورضاه منه بما يجريه عليه، وتسليمَه له الأحكام والقضايا، واعتقادَ حسن تدبيره وكمالِ حكمته؛ ويُذهب عنه شكوى ربِّه إلى غيره وتبرُّمَه بأقضيته. ولهذا سمَّى بعض العارفين الرِّضا: حسن الخلق مع الله٤، فإنَّه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه، وحذفَ فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه، فلا يقول: ما أحوجَ الناسَ إلى مطرٍ! ولا يقول: هذا يومٌ شديد الحرِّ وشديد البرد، ولا يقول:
(١) كذا في النسخ مرفوعًا غير مجزوم، تبعًا للمصدر المنقول منه.
(٢) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠) ونسبه إلى لقمان أيضًا.
(٣) إشارة إلى حديث عائشة مرفوعًا: «إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم». وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه (٣/ ٢٩).