وقال بعض العارفين: من يتوكَّل على الله ويرضى١ بقدر الله، فقد أقام الإيمان، وفرَّغ يديه ورجليه لكسب الخير، وأقام الأخلاق الصالحة التي تُصلح للعبد أمرَه٢.
الخمسون: أن الرِّضا يفتح باب حسن الخلق مع الله ومع الناس، والسخط يفتح باب سوء الخلق مع الله ومع الناس، فإنَّ حسن الخلق من الرِّضا وسوء الخلق من السخط. وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجةَ الصائم القائم٣، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
الحادي والخمسون: أنّ الرِّضا يثمر سرورَ القلب بالمقدور في جميع الأمور، وطيبَ النفس وسكونها في كلِّ حالٍ، وطمأنينةَ القلب عند كلِّ مفزعٍ مَهْلَعٍ من أمور الدُّنيا، وبردَ القناعة، واغتباطَ العبد بقَسْمه من ربِّه، وفرحَه بقيام مولاه عليه، واستسلامَه لمولاه في كلِّ شيءٍ، ورضاه منه بما يجريه عليه، وتسليمَه له الأحكام والقضايا، واعتقادَ حسن تدبيره وكمالِ حكمته؛ ويُذهب عنه شكوى ربِّه إلى غيره وتبرُّمَه بأقضيته. ولهذا سمَّى بعض العارفين الرِّضا: حسن الخلق مع الله٤، فإنَّه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه، وحذفَ فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه، فلا يقول: ما أحوجَ الناسَ إلى مطرٍ! ولا يقول: هذا يومٌ شديد الحرِّ وشديد البرد، ولا يقول:
(١) كذا في النسخ مرفوعًا غير مجزوم، تبعًا للمصدر المنقول منه.
(٢) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠) ونسبه إلى لقمان أيضًا.
(٣) إشارة إلى حديث عائشة مرفوعًا: «إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم». وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه (٣/ ٢٩).
(٤) «قوت القلوب» (٢/ ٤١).
الفقر بلاءٌ، والعيال همٌّ وغمٌّ، ولا يسمِّي شيئًا قضاه الله وقدَّره باسمٍ مذمومٍ إذا لم يذمَّه الله؛ فإنَّ هذا كلَّه ينافي رضاه.
قال عمر بن عبد العزيز: أصبحتُ وما لي سرورٌ إلَّا في مواقع القدر١.
وقال ابن مسعود: الفقر والغنى مطيَّتان ما أبالي أيُّهما ركبت، إن كان الفقر فإنَّ فيه الصبر، وإن كان الغنى فإنَّ فيه البذل٢.
وقال ابن أبي الحواريِّ [لأبي سليمان]٣: إنَّ فلانًا قال: وددت أنَّ الليل أطول ممَّا هو، فقال: قد أحسن وقد أساء؛ أحسن حيث تمنَّى طوله للعبادة، وأساء إذ أحبَّ٤ ما لم يحبَّه الله٥.
وقال عمر بن الخطَّاب: ما أبالي على أيِّ حالٍ أصبحت وأمسيت مِن شدَّةٍ أو رخاء٦.
(١) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠). وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٣٦٢) وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (١٠) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٢٥) بنحوه، وسيأتي لفظه قريبًا.
(٢) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠). وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٥٦٦) وابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (٤٧٩) والبيهقي في «الشعب» (٩٥٠٢) بمعناه، وإسناده حسن.
(٣) ما بين الحاصرتين من ش، ولم يرد في سائر النسخ، ولعل ناسخ ش أضافه من «قوت القلوب» مصدر المؤلف. وجاء في ع والمطبوعات مكانه: «أو قيل له»، والظاهر أنه أُقحم ليستقيم سياق الخبر. وأبو سليمان هو الداراني.
(٤) السياق في ع: «للعبادة والمناجاة، وأساء حيث تمنَّى ما لم يُرِدْه الله وأحبَّ»، إقحام مخالف لمصدر النقل.
(٥) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠). وأسنده أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥٨).
(٦) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٤٢٥) وأبو داود في «الزهد» (١٠٣) وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (٣٠) من رواية أبي مِجْلَز عن عمر، وهي مرسلة.