مدارج السالكين

وخفي عليها ذلك في مطالع الأنوار من السُّنّة والكتاب!

واعجبًا! كيف ميّزت بين صحيح الآراء وسقيمها، ومقبولها ومردودها، وراجحها ومرجوحها؛ وأقرّت على أنفسها بالعجز عن تلقِّي الهدى والعلم من كلامِ مَن لا يأتيه الباطل١ من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكفيل بإيضاح الحقِّ مع غاية التِّبيان؛ وكلامِ مَن أوتي جوامعَ الكلم، واستولى على الأمد الأقصى من البيان؟

كلّا! بل هي ــ واللهِ ــ فتنةٌ أعمت القلوبَ عن مواقع رشدها، وحيَّرت العقولَ عن طرائق قصدها؛ يربّى فيها الصّغير، ويهرم عليها٢ الكبير.

وظنّت خفافيش البصائر أنّها الغاية التي يُسابِق٣ المتسابقون إليها، والنِّهاية التي يتنافس٤ المتنافسون فيها٥، وتزاحموا٦ عليها. وهيهات! أين السُّهى من شمس الضُّحى، وأين الثَّرى من كواكب الجوزاء! وأين الكلام الذي لم يُضمَن٧ لنا عصمةُ قائله بدليلٍ معلومٍ، من النّقل المصدَّق

  1. (١) ش، ع: "من كلامٍ لا يأتيه الباطل" بحذف "مَنْ"، وضرب بعضهم عليها في ل، فإن كتاب الله هو الذي وصف في القرآن بأنه لا يأتيه الباطل. ومن ثم زِيد في بعض الطبعات بعد "مَن": "كلامُه".
  2. (٢) ع: "فيها".
  3. (٣) ج، ع: "تسابق"، وهو أشبه.
  4. (٤) حكّ بعضهم ياء المضارع في ل ليوافق الفعل الماضي الآتي، وهو أشبه.
  5. (٥) السياق في ع: "تسابق إليها المتسابقون ... فيها المتنافسون".
  6. (٦) ج: "يتزاحموا" ليناسب الفعل المضارع السابق.
  7. (٧) ل: "تضمن". وضبط "عصمةَ" بالنصب في ق المقابلة والمقروءة على المؤلف!
5

عن القائل المعصوم! وأين الأقوال التي أعلى درجاتها أن تكون سائغة الاتِّباع، من النُّصوصِ الواجبِ على كلِّ مسلمٍ تقديمُها وتحكيمُها والتّحاكمُ إليها في محلِّ النِّزاع! وأين الآراء التي نهى قائلُها عن تقليده فيها وحذَّر، إلى النُّصوص التي فرضٌ١ على كلِّ عبد أنه٢ يهتدي بها ويتبصَّر! وأين المذاهب التي إذا مات أربابها فهي من جملة الأموات، إلى النُّصوص التي لا تزول إذا زالت الأرض والسّماوات!

سبحان الله! ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس العلم من مشكاتها من كنوز الذّخائر! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر! قنعوا بأقوالٍ استنبطها معاولُ الآراء فِكَرًا، وتقطَّعوا أمرهم بينهم لأجلها زُبُرًا٣. وأوحى بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا، فاتّخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا.

درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفَلَتْ كواكبُه النّيِّرة من آفاق نفوسهم فلذلك لا يحبُّونها، وكسَفت شمسُه عند اجتماع ظُلَمِ آرائهم وعُقَدِها فليسوا يبصرونها.

خلعوا نصوص الوحي من سلطان الحقيقة، وعزلوها عن ولاية اليقين. وشنُّوا عليها غارات التّأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم

  1. (١) هكذا ضبط في ش.
  2. (٢) كذا في جميع النسخ.
  3. (٣) هكذا ضبط في معظم النسخ بضم الباء، ولم يضبط في الأصل (ق). ولو ضبط بفتح الباء كما في قراءة أبي عمرو في سورة المؤمنون (٥٣) لكان أوقع في السجع.
6

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي