الفقر بلاءٌ، والعيال همٌّ وغمٌّ، ولا يسمِّي شيئًا قضاه الله وقدَّره باسمٍ مذمومٍ إذا لم يذمَّه الله؛ فإنَّ هذا كلَّه ينافي رضاه.
قال عمر بن عبد العزيز: أصبحتُ وما لي سرورٌ إلَّا في مواقع القدر١.
وقال ابن مسعود: الفقر والغنى مطيَّتان ما أبالي أيُّهما ركبت، إن كان الفقر فإنَّ فيه الصبر، وإن كان الغنى فإنَّ فيه البذل٢.
وقال ابن أبي الحواريِّ [لأبي سليمان]٣: إنَّ فلانًا قال: وددت أنَّ الليل أطول ممَّا هو، فقال: قد أحسن وقد أساء؛ أحسن حيث تمنَّى طوله للعبادة، وأساء إذ أحبَّ٤ ما لم يحبَّه الله٥.
وقال عمر بن الخطَّاب: ما أبالي على أيِّ حالٍ أصبحت وأمسيت مِن شدَّةٍ أو رخاء٦.
(١) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠). وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٣٦٢) وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (١٠) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٢٥) بنحوه، وسيأتي لفظه قريبًا.
(٢) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠). وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٥٦٦) وابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (٤٧٩) والبيهقي في «الشعب» (٩٥٠٢) بمعناه، وإسناده حسن.
(٣) ما بين الحاصرتين من ش، ولم يرد في سائر النسخ، ولعل ناسخ ش أضافه من «قوت القلوب» مصدر المؤلف. وجاء في ع والمطبوعات مكانه: «أو قيل له»، والظاهر أنه أُقحم ليستقيم سياق الخبر. وأبو سليمان هو الداراني.
(٤) السياق في ع: «للعبادة والمناجاة، وأساء حيث تمنَّى ما لم يُرِدْه الله وأحبَّ»، إقحام مخالف لمصدر النقل.
(٥) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠). وأسنده أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥٨).
(٦) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٤٢٥) وأبو داود في «الزهد» (١٠٣) وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (٣٠) من رواية أبي مِجْلَز عن عمر، وهي مرسلة.
وقال يومًا لامرأته عاتكة ــ أخت سعيد بن زيدٍ ــ وقد غضب١: واللهِ لأسوأنَّك! فقالت: أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام، بعد أن٢ هداني الله؟ قال: لا، فقالت: فأيُّ شيءٍ تسوؤني به إذًا؟٣ تريد أنّها راضيةٌ بمواقع القدر، لا يسوؤها منه شيءٌ إلَّا صرفها عن الإسلام، ولا سبيل له إليه.
وقال الثوريُّ يومًا عند رابعة: اللهمَّ ارضَ عنَّا، فقالت: أما تستحيي أن تسأله الرِّضا وأنت غير راضٍ عنه؟ فقال: أستغفر الله. ثمَّ قال لها جعفر بن سليمان: متى يكون العبد راضيًا عن الله؟ فقالت: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنِّعمة٤.
وفي أثرٍ إلهيٍّ: ما لأوليائي والهمِّ بالدُّنيا؟ إنَّ الهمَّ يُذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم٥.
وقيل: أكثر الناس همًّا بالدُّنيا أكثرهم همًّا في الآخرة، وأقلُّهم همًّا بالدُّنيا أقلُّهم همًّا في الآخرة. فالإيمان بالقدر والرِّضا به يُذهب عن العبد الهمَّ والغمَّ والحزن٦.
(١) في ع زيادة: «عليها»، وليست في مصدر المؤلف.
(٢) في النسخ عدا الأصل، ل: «إذ»، والمثبت منهما موافق لمصدر المؤلف.
(٣) كذا في «قوت القلوب» (٢/ ٤٠)، والصواب أن هذه القصة جرت لعمر مع امرأة أبي عبيدة بن الجرَّاح. انظر: «أخبار المدينة» لابن شَبَّة (٣/ ٥٣ - ٥٤) و«تاريخ دمشق» (٦٩/ ٧٩).
(٤) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠).
(٥) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠)، ذكره بقوله: «وفي أخبار داود».
(٦) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠)، ذكر فيه الجملة الثانية ما عدا قوله: «والرضا به» على أنها حديث مرفوع. انظره في «العلل المتناهية» (١/ ١٥٠) و«الضعيفة» (٨٠٤).