وذُكر عند رابعةَ وليٌّ لله قُوته من المزابل، فقال رجل١: ما ضرَّ هذا أن يسأل الله أن يجعل قوته٢ في غير هذا؟ فقالت: اسكت يا بطَّال! أما علمت أنَّ أولياء الله هم أرضى عنه من أن يتخيَّروا عليه أن ينقلهم من معيشةٍ حتَّى يكون هو الذي يختار لهم٣.
وفي أثرٍ إسرائيلي: أنَّ موسى سأل ربَّه عمَّا فيه رضاه، فأوحى إليه: «إن رضاي في كرهك، وأنت لا تصبر على ما تكره»، فقال: يا ربِّ دلَّني عليه، فقال: «إنَّ رضاي في رضاك بقضائي»٤.
وفي أثرٍ آخر: أنَّ موسى قال: يا ربِّ، أيُّ خلقك أحبُّ إليك؟ فقال: مَن إذا أخذت منه محبوبه سالمني. قال: فأيُّ خلقك أنت عليه ساخطٌ؟ قال: من يستخيرني في أمرٍ فإذا قضيت له سخط قضائي٥.
وفي أثرٍ آخر: أنا الله لا إله إلّا أنا، قدَّرت المقادير، ودبَّرت التدبير، وأحكمت الصُّنع، فمن رضي فله الرِّضا منِّي حتى يلقاني، ومن سخط فله
(١) في ع زيادة: «عندها»، وهي في المصدر كذلك.
(٢) ع: «رزقه» خلاف مصدر النقل.
(٣) «قوت القلوب» (٢/ ٤٠).
(٤) «قوت القلوب» (٢/ ٤١)، ولفظه في «القشيرية» (ص ٤٥٤): «إنك لا تطيق ذلك». وقد حكم شيخ الإسلام على هذا الأثر بأنه كذب، لأن موسى من أولي العزم من الرسل، فكيف يقال: إنه لا يطيق عملًا ــ أو لا يصبر على عملٍ ــ يَرضى الله به عنه؟! انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٨٧).
(٥) «قوت القلوب» (٢/ ٤١).
السخط حتى يلقاني١.
الثاني والخمسون: أنَّ أفضل الأحوال الرغبةُ في الله ولوازمُها، وذلك لا يتمُّ إلا باليقين والرِّضا عن الله. ولهذا قال سهلٌ: حظُّ الخلق من اليقين على قدر حظِّهم من الرِّضا، وحظُّهم من الرِّضا على قدر رغبتهم في الله٢.
الثالث والخمسون: أنّ الرِّضا يخلِّصه من عيب ما لم يَعِبْه الله، ومِن ذمِّ ما لم يذمَّه. فإنَّ العبد إذا لم يرض بالشيء عابه بأنواع المعايب وذمَّه بأنواع الذم، وذلك قلَّة حياءٍ من الله، وذمٌّ لما لا ذنب له، وعيبٌ لخلقه؛ وذلك يُسقط العبدَ من عينه. ولو أنَّ رجلًا صنع لك طعامًا وقدَّمه إليك فعِبتَه وذممته، لكنت متعرِّضًا لمقته وإهانته، ومستدعيًا منه أن يقطع ذلك عنك. وقد قال بعض العارفين: إنَّ ذمَّ المصنوع وعيبَه إذا لم يذمَّه صانعه غيبةٌ له وقدحٌ فيه٣.
الرابع والخمسون: أنَّ النبي ﷺ سأل الله الرِّضا بالقضاء، كما في «المسند» و«السُّنن»٤: «اللهمَّ بعلمك الغيبَ، وقدرتك على الخلق، أحيني
(١) ملفَّق من أثرين متتابعين في «قوت القلوب» (٢/ ٤١). وقوله: «حتى يلقاني»، كذا في النسخ في الموضعين، ولفظ مطبوعة المصدر: «حين يلقاني».
(٢) «قوت القلوب» (٢/ ٤١).
(٣) «قوت القلوب» (٢/ ٤٢).
(٤) «مسند أحمد» (١٨٣٢٥) ــ وليس فيه موضع الشاهد ــ و«سنن النسائي» (١٣٠٥، ١٣٠٦)، أخرجه أيضًا أبو يعلى (١٦٢٤) وابن حبّان (١٩٧١) والحاكم (١/ ٥٢٤) وغيرهم من حديث عمَّار بن ياسر ﵁، وهو حديث صحيح. وموضع الشاهد فيه: «وأسألك الرِّضا بعد القضاء» قد ورد في بعض الروايات بلفظ: «الرِّضا بالقضاء»، والأول أصحُّ. وقد روي موضع الشاهد أيضًا من حديث فَضالة بن عبيد في «السنة» لابن أبي عاصم (٤٣٦) و«المعجم الكبير» للطبراني (١٨/ ٣١٩) و«الأوسط» له (٦٠٩١)، وإسناده جيِّد.